الجمعة، 3 أكتوبر 2008

المجد الإلهي والفرح الإنساني

"ورجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيم" (لوقا 24: 52)
النص الإنجيلي، وهو خاتمة إنجيل لوقا، يروي لنا ظهور المسيح الأخير لتلاميذه. في هذا الظهور يخرج المسيح بتلاميذه إلى جبل الزيتون، ويرتفع عنهم هناك إلى السماوات. الصعود كان آخِرَ ظهورٍ للرب وآخرَ حدثٍ أرضي له مع تلاميذه.المشهد، على الفور، يوحي بالحزن ؛ لأنَّ المسيح يترك تلاميذه . لكنَّ التلاميذ عادوا بفرحٍ عظيم!! فما هي دواعي هذا الفرح؟ إنَّ ترتيلة العيد تعلن عن ذلك، فصعود المسيح أفرح تلاميذه بموعد الروح القدس، إذ أيقنوا من البركة أيضاً أنَّه ابن الله المنقذ العالم. إنَّ الوعد بالروح والبركة يعطيان فرحاً كبيراً للتلاميذ، وأكدا يقين التلاميذ بألوهيةِ المسيح ومجدِه. وهذا سبب آخرُ للفرح.لكنَّ النص يخزن بداخله أسباباً عديدة أخرى بثَّت في قلوب التلاميذ فرحهم الذي لا يوصف. إنَّ خروج المسيح بتلاميذه إلى بيت عنيا، وإلى جبل الزيتون بالذات، حمل في سرّه مواعيد بركات كثيرة. جبل الزيتون هذا، يَرِدُ ذِكرَهُ في العهد القديم مرات عدة حيث أعطى الله منه بركات روحيةجديدة، وجدد عليه علاقته مع الناس بشكلٍ روحي أكثر. إنَّه جبل بركات وتجديد. الحدث أن يسوع فتح يديه وباركهم، هو حدث يدعو لكثير من الفرح.إلاَّ أنَّ الحركة بحد ذاتها تحمل معاني أخرى عميقة، وعندما نفهمها ندرك دواعي الفرح العميق لدى التلاميذ. إنَّ صعود يسوع وارتفاعه عن التلاميذ كان على نمط اختطاف إيليا إلى السماوات، حين تبعه تلميذه أليشع وطلب منه سهمين من روحه، أي حصة الابن الأكبر، فقال له إيليا: إن رأيتني وأنا صاعدٌ يكون لك ذلك، ولقد رأى أليشعُ سيدَه إيليا صاعداً ونال روحه وقوته وتسلَّم منه رسالته. الحدث عينه يتم هنا مع التلاميذ. سفر أعمال الرسل، للإنجيلي لوقا، يوضح أكثر أنَّهم "رأوه " صاعداً. فما دام التلاميذ قد رأوا الرب صاعداً فهذا على الفور يعني أنَّهم سينالون روحه القدوس وأنَّ الرب باركهم ليسلمَّهم رسالته وقوته ليتابعوها في العالم. وأيُّ فرحٍ للإنسان المسيحي أفضل من هذا الفرح، أن يصير شاهداً ليسوع المسيح من أورشليم إلى العالم أجمع!هذا هو عيد الصعود، إنَّه عيد التجلي الأخير لمجد الرب على الأرض وتجلي لاهوته. كما أنّه عيدُ تسليمِ الرسالة إلى كل تلميذ. وهذهِ الرسالة لا نستلمها وكأننا يتامى، بل ننال معها موعد الروح القدس. في أعمال الرسل، النصُ يتابع على لسان الملائكة :" أيها الرجال الجليليون، ما بالكم شاخصين هكذا (من الفرح)، إنَّ يسوع هذا الذي ترونه صاعداً سيعود هكذا على السحاب ليدين المسكونة".هذهِ الكلمات الملائكية توقظ التلاميذ من دهشة الفرحة إلى خدمة الرسالة. فرح التلميذ هو أن يكون في خدمة مجدِ سيدِه. إنَّ الصعود يضعنا أمام حقيقة الحياة الحاضرة، التي ما هي إلاَّ "زمن مبارك للعمل من أجل الرب". إنَّ الرسم الكنسي يعتبر أنَّ أيقونة الصعود هي ذاتها أيقونة المجيء الثاني من حيث الأقسام الأساسية للحركة فيها. وما بين زمن هاتين الأيقونتين تأتي حقيقة وقيمة وفرح الحياة الحاضرة.عيد الصعود، هو عيد الفرح الكبير بتقلّدِ رسالةِ الشهادة بيسوع المسيح. إنَّ يسوعَ يغادرنا بالجسد ليكون معنا بشكلٍ أقوى بالروح القدس.وهذا ما قاله الرب في إنجيل يوحنا :"خيرٌ لكم أن أنطلق، لأني سأرسل لكم معزياً روح الحق الذي يرشدكم إلى كامل الحقيقة …" فرح التلميذ الحقيقي هو مجدُ سيده. فرحنا هو أن نصير تلاميذ الكلمة وخدَّامها. فرحنا الحقيقي أن تقع علينا "قرعة الخدمة" فنصير شاهدين مع الرسل بقيامة الرب ونُحسَب نحن أيضاً مع الاثني عشر رسولاً (أعمال1 : 24-25).في الصعود يغادرنا الرب بالجسد ليبقى معنا دائماً بروحه القدس. يترك الربُ العالم أمامنا ليرسلنا عوضاً عنه فيه، يرتفع عنا لا لنحزنَ وإنما لنسجدَ له بفرحٍ عظيم. آمين

تردّد توما وثباتنا

في الأحد الثاني للفصح يظهر الرب يسوع مرة ثانية للتلاميذ في العلية، ولكن هذه المرة مع توما أيضاً. لم يكن إيمان توما أضعف من إيمان التلاميذ. فالتلاميذ العشر آنذاك آمنوا حين ظهر لهم يسوع مساء أحد الفصح. ولكن لأن توما اشتهى ما رأوه وأراد أن يلمس ما لمسوه جاء يسوع في الأحد الثاني والأبواب مغلقة وظهر لهم ولتوما معهم وقال له "عاين" و"ألمس" ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً.
هناك ثلاث درجات للإيمان.
الدرجة الأولى هي الإيمان بالأمور الملموسة. وهذه الأمور قد تكون حقائق طبيعية، بكل ما هو تحت إدراكنا من حقائق الكون كالشمس والماء والقمر وعلوم الطب وخصائص ووظائف الجسد. فنحن نملك معارف واسعة وعديدة ونؤمن بثباتها ونتائجها. وقد تكون هذه الحقائق معنوية فنحن نؤمن مثلاً بأهمية الحنان في التربية وبأهمية السلام في المجتمعات العالمية وبضرورة العدالة الاجتماعية... وسواها. وهذه الأمور هي ضمن إدراكنا وإن لم تكن تحت لمس حواسنا. وكل هذه نؤمن بها.لكن كل ما سبق ليس "الإيمان" وإنما هو الدرجة الأولى منه وما نسميه "المعرفة". وما تختلف به المعرفة عن الإيمان، أن الأولى تتعامل مع الثوابت والبديهيان أما الثاني فيجب أن يحمل شيئاً من المجازفة التي تعتمد على قاعدتين. الأولى هي "عين الإيمان"، وهذه العين تمتلك رؤيا معينة بفضل خبرات خبرات روحية ومعرفة سابقة. والقاعدة الثانية هي الحرية الشخصية والرغبة والميل لنذهب من معرفة الحقائق الطبيعية والمعنوية إلى معرفة أسبابها وغاياتهها. أن ننطلق من الخليقة إلى الخليقة إلى الخالق وأن نقرأ في الخليقة محبة الخالق.عند هذه الدرجة من الإليمان كانت العتبة التي وقف عليها توما. لأنه كما يقول القديس غريغوريوس النيصصي، أنه لما عاين توما المسيح ولمس الجنب وموضع المسامير لم يصرخ "يا معلم" ولم يؤمن بجسد قائم وإنما صرخ "ربي وإلهي".فلما أدرك توما باليد والعين انطلق إلى الإيمان بالرب والإله. اعتمد توما على العقل والحواس ومنهما صعد إلى درجة الإيمان بألوهية السيد وربوبيته. لم يلمس توما جنباً فآمن بجسد حي وحسب، بل لمس مواضع الجراح وصرخ "إلهي" . وهذه هي الدرجة العامة من الإيمان لأغلب المسيحيين. حيث نريد عموماً أن نفهم ونقتنع ثم "نؤمن" بالمعنى الثاني للكلمة.أما الدرجة الثالثة فهي تلك التي غبطها يسوع قائلاً "طوبى لمن آمن ولم يرَ". قد نؤمن نحن بعجائب السيد بعد بعض الشروحات ونقبل قيامته بعد كل الروايات عن الظهورات وخبرة الكنيسة لألفي سنة.
ولكن هناك درجة من الإيمان اختبرت الدرجة الثانية منه لفترة وهذه الخبرة الشخصية مع الإيمان لسنوات تعطي حاملها الثقة -الإيمان الكامل بحيث تصبح "عين العقل" لا تطلب فحصاً ولا لمساً، بل مزيداً. حين نتدرج في الإيمان نحتاج للشرح وتبقى ثقتنا بما أو بمن نؤمن به تحتاج لدعم العقل والتفاسير والشروحات والبراهين. ولكن الخبرة الشخصية ترفع الإيمان إلى نضوج "المطلق". ألم يطلب بطرس من يسوع في إحدى العجائب اثباتات؟ لقد قال له إن كنت أنت هو فمرني أن آتي على المياه. وألم يطلب اليهود "آية" ليؤمنوا... كل هذه الحوادث هي مظاهر لإيمان من الدرجة الوسطى- الثانية الإيمان الذي مازال يستند على إشباع المعرفة ولمس الحواس وإدراك العقل.
الإيمان بدرجته الثالثة "دون أن يرَ" هو إيمان سبق ورأى كفايةً وأشبعَ عطش المعرفة وأنهى تردد الثقة. إنه كإيمان بطرس بعد القيامة حين سأله يسوع أتحبني يا بطرس فأجاب "أنت تعلم"!لم يصل إيمان الرسل العشرة ولا إيمان توما إلى هذه الدرجة الثالثة الكاملة المطوّبة إلا بعد ظهورات السيد ولو لم يشك توما لبقي أيضاً شكنا. لقد كان غياب توما في مساء أحد الفصح حين ظهر الرب للتلاميذ تدبيراً إلهياً لكيما بشك توما توما وظهور يسوع له واللمس والصرخة ربي وإلهي يزيل السيد شكوكنا.إن أغلبيتنا بعد قراءة وسماع ظهور السيد وقيامته من بين الأموات تردد شعور توما ذاته، نريد أن نرى ونلمس. وهكذا حين لمس توما ورأى لمس عنا وصرخ عنا ربي وإلهي.
إن الدرجة الأولى من الإيمان هي "المعرفة" والدرجة الثانية هي "الحكمة" حيث تمتلك هذه "عين الإيمان" ترى بها أكثر من عين الحواس. والدرجة الثالثة هي "الإيمان الكامل" التي يتحول بها الإنسان إلى رجل صلاة ويحيا البار بالإيمان ويتحد القلب والعقل في المعرفة، وتصير خبرة النجاحات الطويلة للإيمان من الدرجة الثانية تشكل ثقة مطلقة ترفع الإيمان إلى درجته الكاملة حيث لا يعود يطلب براهين بل نعمة ولا يشترط تعليلاً وإنمما يستمد مزيداً.وبما أننا بأغلبيتنا نتأرجح على عتبة الإيمان الأوسط في درجته الثانية، جاء هذا الأحد ليجيب على ترددنا ويخفف من تأرجحنا ويثبت غيماننا، وكما تقول الترانيم: "فما أظرف عم تصديق توما، إذ أقبل بقلوب المؤمنين إلى المعرفة، وهتف بخوف ربي وإلهي (الإيمان الكامل).فياله من عجب أن عدم الإيمان صار توطيداً للإيمان لقد ظهر السيد ليمحو ارتياب توما ونحن نصرخ معه "ربي وإلهي المجد لك". آمين

الخميس، 2 أكتوبر 2008

شرط العلاقه مع الله

ما أحلى حياة العشرة والسلوك الحقيقى مع الله. ولكن كيف أحياها ؟وهل هناك معطلات لها؟ وهل وجد أناس عاشوا حياة العشرة الحقيقية مع الله؟وما هي بركات العشرة والسلوك الحقيقي مع الله؟ دعونا نبدا
أولا :-شروط العلاقة مع الله
1- ميلاد: أولد في المسيح .لابد من الميلاد الثاني يوم أن تعترف وتتوب عن الخطية يكتب اسمك في سفر الحياة
2- حياة: أحيا للمسيح . أحيا حياة القداسة في المسيح فالاشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدا
3- سلوك: اسلك مع المسيح . اسلكوا كالاولاد نور السلوك الحقيقي مع المسيح وكما يريد أن افعل المسيح
ثانيا: النمو في العلاقة مع الله
1- الهج في كلمة الرب:- ضعوا كلمتي على قلوبكم ونفوسكم متكلمين بها حين تجلسون في بيوتكم وحين تمشون في الطريق وحين تنامون وحين تقومون تث 11: 18 فالكلمة مرآة ومطرقة ونور ونار وغذاء
2- أقضي وقت في الصلاة مع الرب:- لكي تنموا لابدان تتكلم معه فداود تدرج وكان شعاره أما أنا فصلاة
3- اذهب بانتظام إلى بيت الرب:- عندما تحضر الكنيسة تنموا روحيا لانك تستمد الطعام من كلمة الله
ثالثا:معوقات العلاقة مع الله
1- الأنانية:- التمركز حول الذات. فأنا كل شئ.وبدوني لا نجاح للخدمة. فالأنانية تفقدني العشرة مع الله
2- الدونية:- أنا لست شيا لا أمتلك الامكانيات والملكات كداود ولا املك الكلمات كموسى وتشعر بصغر النفس
3- لا يوجد في قلبي المحبة الأخوية:- أن كنت لا تحب أخاك الذي تراه فكيف تحب الله .المحبة حقيقية أم برياء
4- عدم غفراني بالكلية:- الغفران هو أن اسامح ثم اغفر من قلبي وانسى ما حدث لي فكما غفر لكم المسيح هكذا انتم أيضا كو 3: 13. واغفر لنا زنوبنا كما نغفر نحن للمزنبين الينا
5- عدم التدقيق في الحياة الروحية: كن قدوة هل تطبق هذا المبدأ في الكلام والتصرف فأنت صوره مصغرة للمسيح فهل لك علاقة مدققة بالقول & بالفكر &بالنظرة & بالسمع .أن لم يكن فأنت تفقد حياة العشرة
رابعا : أشخاص عاشوا حياة العلاقة مع الله
رغم الظروف الصعبة
1- أيوب مع كثرة بلاياه والترك والنسيان :- البقر والأتن والغنم والجمال والأبناء والقروح- والبلايا وعبيده نسوه وزوجته تركته وأصدقاؤه جرحوه وفي هذا كله وقال الرب أعطى الرب اخذ فليكن اسم الرب مبارك
2- يوسف بعد بيعه من الأخوان :- آخذوه – طرحوه في البئر- باعوه للقافلة الإسماعيلين – عبد في بيت فوطيفار – مسجون في قضية مخلة بالآداب ولكن كانت له العشرة الكاملة مع الرب . واكرمه الرب
3- اشعياء في سنة وفاة السند ووجود الأحزان :- عندما مات الملك الذي كان يتكل عليه ( السند) وفي عمق أحزانه راني السيد الرب في الحزن لابد أن يكون لنا شركة مع الرب فالأحزان لا تفقد شركتنا مع الرب
4- دانيال بعد علمه بمؤامرة الأقران :- علم أن الوزراء الأقران ختموا المرسوم الملكي أن لا يطلب أحد شيئا لمدة ثلاثين يوما الأ من الملك لكن العشرة الحقيقة ذهب وكواه مفتوحة كما كان يفعل وصلى ثلاث مرات
5- يوحنا في جزيرة بطمس وقت الحرمان :- وقت الحرمان من الجميع عند شعوره بالوحدة كانت له عشرة مع الرب ( يو 7:1) فوضع علي يديه اليمني وقال له لا تخف . رغم حرمانه كانت له عشرة وتمتع بالرؤيا
خامسا :- بركات العلاقة الحميمة مع الله
1- حياة الارتقاء :- لا تهتم بالأرضيات بل السماويات ( مثل النسر ) وتكون لك حياة العمق في المسيح لا حياة الشط بل ترتقي إلي ما هو فوق .لانك قمت معة فلا بد ان تجلس معة فى السماويات
2-حياة الارتواء :- المروى هو أيضا يروي تجلس معه فتمتلئ من فيض روحه ثم تفيض علي الآخرين
3-حياة التلذذ باله السماء: تلذذ بالرب أولا فيعطيك سؤل قلبك ثانيا اطلبوا أولا ملكوت الله وكل هذا يزاد لكم
4-حياة الانضباط في العلن والخفاء :-سلوكي في السر مع نفسي هو مثل سلوكي أما الآخرين (السلوك الواحد )
5-حياة النضج مع الله والأحباء :- تكون شخص ناضج في تعاملاتك مع الله ومع الآخرين في كل مواقف حياتك
وأخيرا
آخى وأختي لكي تحيا حياة السلوك الحقيقي العشرة مع الله لابد أن تولد وتحيا وتسلك في المسيح ثم تنمو معه وتبتعد عن كل ما يفقدك العشرة معه. وهنا سوف تنال بركات العشرة من ارتقاء وارتواء وتلذذ وتدقيق ونضوج مع الله وكل الأحباء . فما احلي العشرة والسلوك مع الرب يسوع .

الشفاعة

... الأربعة والعشرون شيخاً أمام الخروف ولهم كل واحد قيثارات وجامات من ذهب مملوءة بخورا هي صلوات القديسين (رؤ8:5)
مقدمة
يعترض البعض على شفاعة القديسين بقولهم أن السيد المسيح هو شفيعهم الوحيد معتمدين على قول معلمنا بولس الرسول: "لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح" (1تي5:2) وللرد على هذا الاعتراض يلزم أن نوضح مفهوم الشفاعة، ثم أنواعها، وأخيراً الرد على تساؤلات حولها.
مفهوم الشفاعة
معنى الشفاعة هو التوسط بين اثنين، وتعني أيضاً المحاماة عن الغير، وتشمل أيضاً معنى التوسل لأجل الآخرين.
أنواع الشفاعة
إن القارئ المدقق في الكتاب المقدس يعرف جيداً أن هناك ثلاث أنواع للشفاعة سنوضحها بالآيات فيما يلي:
أولاً: الشفاعة الكفارية
وهي الشفاعة التي يقوم بها الإنسان يسوع المسيح وحده لأنه الشخص الوحيد الذي سُفك دمه على الصليب ليكفر عن خطايانا إذ يقول معلمنا بولس الرسول: "لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح" (1تي5:2) وأيضاً يقول معلمنا يوحنا الرسول: "إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا" (1يو1:2،2)، "من هو الذي يدين. المسيح هو الذي مات بل بالحري قام أيضاً الذي هو أيضاً عن يمين الله الذي أيضاً يشفع فينا" (رو34:8)، "فمن ثم يقدر أن يخلّص أيضاً إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله إذ هو حيّ في كل حين ليشفع فيهم" (عبر25:7)، "لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة من أجل أنه سكب للموت نفسه وأُحصي مع أثمة وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين" (أش12:53)، "فرأى أنه ليس إنسان وتحيّر من أنه ليس شفيع. فخلّصت ذراعه لنفسه وبره هو عضده" (أش16:59).
هذا عن الشفاعة الكفارية بدم يسوع المسيح البار ليكثر عن خطايانا.
ثانياً: الشفاعة النيابية
وهي الشفاعة التي يقوم بها الروح القدس في قلوبنا كما يقول معلمنا بولس الرسول: "وكذلك الروح أيضا يعين ضعفاتنا. لأننا لسنا نعلم ما نصلّي لأجله كما ينبغي ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنّات لا ينطق بها" (رو26:8).
يلاحظ أن شفاعة الروح القدس النيابية هي في قلوبنا. وبالأنّات التي لا يُنطق بها بينما شفاعة المسيح الكفارية هي أمام الآب في السماء وهي شفاعة بالدم المسفوك على الصليب.
ثالثاً: الشفاعة التوسلية
هي توسلات وتضرعات وصلوات المؤمنين بعضهم لأجل بعض من منطلق المحبة وعضوية جسد المسيح، وهي ثلاثة أنواع:
1- شفاعة الأحياء على الأرض لأجل أحياء آخرين على الأرض أيضاً: وهذا النوع من الشفاعة واضح في قول معلمنا يعقوب الرسول: "... صلوا بعضكم لأجل بعض" (يع16:5).
2- شفاعة الأحياء على الأرض لأجل المنتقلين: يتضح هذا النوع من صلوات بولس الرسول لأجل أنيسيفورس: "ليعط الرب رحمة لبيت أنيسيفورس لأنه مراراً كثيرة أراحني ... ليعطه الرب أن يجد رحمة من الرب في ذلك اليوم" (2تي16:1-18) ويتضح من سياق الحديث أن أنيسيفورس كان قد انتقل ومعلمنا بولس يطلب له.
3- شفاعة المنتقلين لأجل الأحياء الذين على الأرض: بدافع الحب الذي يربط أعضاء جسد المسيح المؤمنين الذين في السماء وعلى الأرض يطلب الذين انتقلوا من أجل الذين على الأرض حتى لا يذهبوا إلى الجحيم بل يكون لهم نصيب في النعيم. ويوضح لنا الكتاب المقدس أن ليس القديسون فقط يطلبون ذلك. بل حتى الأشرار الذين في الهاوية يطلبون من أجل اخوتهم أن لا يذهبوا إلى العذاب "فقال (الغني) أسألك إذاً يا أبتي (إبراهيم) أن ترسله (لعازر) إلى بيت أبي لأن لي خمسة اخوة. حتى يشهد لهم لكي لا يأتوا هم أيضاً إلى موضع العذاب هذا" (لو27:16،28).
أما عن صلوات القديسين فإليك بعض الآيات التي تبرهن عليها: " ... الأربعة والعشرون شيخا أمام الخروف ولهم كل واحد قيثارات وجامات من ذهب مملوءة بخورا هي صلوات القديسين" (رؤ8:5)، "وجاء ملاك آخر وأعطي بخوراً كثيراً لكي يقدمه مع صلوات القديسين جميعهم على مذبح الذهب الذي أمام العرش. فصعد دخان البخور مع صلوات القديسين من يد الملاك أمام الله" (رؤ3:8،4).
من هذا يتضح أن الشفاعة التوسلية هي صلوات يرفعها القديسون، وليست مثل الشفاعة الكفارية بدم المسيح.
الرد على التساؤلات حول الشفاعة
يعترض البعض على شفاعة القديسين باعتراضات كثيرة منها:
أولاً: لا يوجد إلا شفيع واحد بين الله والناس. فما لزوم شفاعة القديسين؟
الرد: إن شفاعة السيد المسيح الكفارية لا يشاركه فيها أحد. أما شفاعة القديسين فهي توسلية بدافع الحب الذي يربط أعضاء جسد المسيح.
ثانياً: كيف يقبل الله صلوات القديسين وهم أموات؟
الرد: القديسون المنتقلون ليسوا أمواتاً فالسيد المسيح قال: " … إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب وليس هو إله أموات بل إله أحياء لأن الجميع عنده أحياء" (لو37:20،38).
ثالثاً: إن القديسين مبتلعون في المجد فلا يعلمون عنا شيئاً؟
الرد: الواقع أن القديسين لم يدخلوا بعد إلى المجد ولكنهم في فردوس النعيم بأرواحهم فقط. ويؤكد الكتاب المقدس أنهم مرتبطون بما على الأرض كما يتضح في (رؤ9:6،10) "ولما فتح الختم الخامس رأيت تحت المذبح نفوس الذين قتلوا من أجل كلمة الله ومن أجل الشهادة التي كانت عندهم. وصرخوا بصوت عظيم قائلين حتى متى أيها السيد القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض" من هذا يتضح أن الذين في السماء يعلمون بأخبار الأرض ويهتمون بذلك.
الخاتمة
من كل ما تقدم يتأكد لنا أن شفاعة القديسين التوسلية تعليم كتابي سليم بدافع الحب الذي يربط أعضاء جسد المسيح في السماء وعلى الأرض يتوسل القديسون في ضعفنا. ويطلبون من أجل خلاص نفوسنا.
سعيد هو الإنسان الذي يرتبط بمحبة وصداقة مع القديسين كأعضاء عائلة الله الذين سبقونا إلى السماء.
شفاعتهم ومحبتهم تكون معنا أمين
القمص زكريا بطرس

العناية الإلهيّة

حين نرى شقاء البشر، يبدو لنا الله صامتاً ساكناً لا يتحرّك ولا يتدخّل. فأين هي إذاً العناية الإلهيّة؟
الله أب
إن أوّل صفة نُطلقها على الله في قانون الايمان هي أنّه أب. إنه أب قبل أن يكون ضابطاً للكل أو خالقاً. وهو يضبط الكل ويخلق انطلاقاً من طبيعته الأزليّة، طبيعة الأب. والأب في جميع الثقافات هو المسؤول عن عيش الأسرة. إنّه يؤمّن لها ما تقتات به. ويصف يسوع الأب البشريّ ويقول إنّه يُعطي الهبات الحسنة لأولاده: الخبز والسمك والبيض. ولا يُعطي أبداً ما هو رديء كالحجر والحيّة والعقرب (لو11/11). فإذا كان الأب البشريّ يتصرّف على هذا النحو، ألا يتصرّف بطريقةٍ أسمى مَن تأخذ منه كلّ أبوّةٍ معناها وجوهرها؟ لهذا السبب نقول في الصلاة التّي تختصر جميع الصلوات: أبانا ... أعطنا خبزنا كفاف يومنا. وعلى هذا الأساس أيضاً، يُعلن يسوع على الملأ في عظته على الجبل: "لا تهتموا فتقولوا: ماذا نأكل؟ وماذا نشرب؟ وماذا نلبس؟ ... أبوكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذا كلّه ... لا يهمّكم أمر الغد، فالغد يهتّم بنفسه" (متى 6/31-34).
إنّ هذا النصّ يثير الجدل والتساؤل بمقدار ما تثيره عبارة: "مَن لطمكَ على خدّك الأيمن فاعرض له الآخر" (متى5/39). كيف لا نهتمّ للغد وآلاف الأطفال يموتون جوعاً وعشرات الآلاف يجور عليهم الزمن، فيعيشون في ظروف لا إنسانيّة، ويفعلون أبشع الشرور؟ كيف لا نهتمّ للغد ومئات الآلاف من الأُسَر تفلِسُ نتيجة التكاليف الباهظة لعلاج أحد أفرادها ...
يقول بعضهم: علينا ألاّ نفهم كلام المسيح هذا حرفيّاً. كيف نفهمه إذاً؟ فما نراه، ما نلمسه، ما نختبره واضح بيّن: إنّ الله الآب يترك الحبل على الغارب. إنّه يترك الأمور تسير على هواها، ولا يتدخّل لعمل المستحيل. صحيح أنّ الناس يكلّمونا على معجزاتٍ تحدث هنا وهناك، ولكنّها تحدث دوماً للآخرين وتُحبَسُ عناّ مع أننّا في أمسّ الحاجة إليها؟ قد يكون الله أباً، لكنّنا نشعر في محنة الألم أنّه تركنا، كما ترك البنه الوحيد يُصلَب. فما اختبره يسوع من ترك الأب يختبره كلّ إنسان، في الماضي أو في الحاضر. وخير برهانٍ على ذلك هو صراخ العبرانيّين في بلاد السبي. والمزامير تنقل لنا صدى هذا الصراخ بأمانةٍ: "قد كان لي دمعي خبزاً نهاراً وليلاً، إذ قيل لي طول يومي: أينَ إلهكَ؟" ... أقول لله صخرتي: لماذا نسيتني. ولماذا أسير بالحداد من مضايقة العدوّ؟ عند ترضّض عظامي عيّرني مضايقيّ بقولهم لي النهار كلّه: أينّ إلهك؟" (مز 42)
الآب وشعبه
لا يكتفي الكتاب المقدّس بالكلام على العناية الأبويّة لكلّ واحد منّا، بل يتكلّم أيضاً على رعاية الله لشعبه. فحين نقرأ العهد القديم، تظهر لنا صورة إلهٍ يتحكّم بالتاريخ، فيعاقب الشعبَ ابنَه أو يخلّصه بحسب سلوك هذا الشعب. ويبدو أنّ كلّ ما يحدث يصدر من الله. الموت كما الحياة. فنبوخذنصّر الذي أتى ليدمّر أورشليم ويسبي الشعب هو مبعوث من قبل الله. وبعد 70 سنة، يجسّد قورش رحمة الأب ورعايته فيعيد اليهود إلى أرضهم. فهل تاريخنا، تاريخ البشرية، لعبة في يد الله؟
لا! فالانسان لم يفقد قطّ قدرته على ارتكاب الخطيئة أو التوبة. ومع ذلك، ما من شيءٍ يتّم بدون علم الله. ومن هذا المبدأ ينطلق الاحتجاج. احتجاج ضحايا الزلازل، واحتجاج أهل الطفل المُتألّم من المرض العُضال. كم من الناس فقدوا إيمانهم لأنهم لم يستطعوا الجمع بين فكرة الإله المحب القادر على كلّ شيء، وأحداث الحياة التّي تسقط فيها آلاف الضحايا الأبرياء؟ أيّ إلهٍ هذا، أيّ أبٍ هذا؟ يرى أبناءه المسيحيين يُذبَحون في موجات الاضطهاد ولا يفعل شيئاً؟ وإذا كانت هذه المجازر عقاباً، أيّ إثمٍ عظبمٍ ارتكبه المسيحيّون لينالوا عقاباً كهذا؟
إنّ هذه التساؤلات ليست جديدة ولا بنت اليوم أو الأمس. فكاتب سفر الجامعة يلاحظ أنّ مصير البّار والشّرير واحد. وسفر أيّوب صرخة احتجاج على ألم البار، صرخة أمام معضلة لن تجد لها حلاً إلاّ في آخر السفر. وبين الصرخة والإجابة، يقوم السفر بمسح كلّ تصّوراتنا الخاطئة عن الله. فهو أب ولكنّ أبوّته تختلف عن معرفتنا لها. إنّه محبّة لكنّ محبتّه تفوق إدراكنا.
كلام فارغ ولكن!
" يا بني تحمّل هذا المرض فالله يُجرّبك به ليمتحن محبتك له". " هل مات ابنكما غرقاً، لقد دعاه الله إليه". هل أفلستَ؟ إنّ الله يريد أن يُجرّدكَ من الخيرات الأرضية ليبيّن لك بطلان هذه الدنيا". " هل صليتِ بكل قواكِ كي لا تحلّ بكِ هذه المصيبة، ومع ذلك حلّت بكِ؟ لا بدّ وأنكِ لم تُحسني الصلاة". كلّنا سمعنا أقوالاً كهذه وغيرها من الجمل التّي تتكلّم على العقاب الإلهي.
إلاّ أنّ هذه العبارات تتضمّن حكمةً سليمة، حتىّ وإن تمّ التعبير عنها بطريقةٍ خاطئة. والحكمة هي أنّك لستَ وحدك في معاناتكَ. فعندما نقول لشخصٍ: لا علاقة لله بما تعانيه، يشعر بأنّه في عزلةٍ قاتلة لا تطاق. فحين يقول انسان: إنّ الله يعاقبني، يعلن بين السطور أنّ الله هنا، حاضر في ألمي، ويتعامل معي.
إنّ الكتاب المقدّس يكشف لنا سرّ هذا اللغز، إي الألم والمعاناة، من خلال الضبابيّة التي نعيشها في أفكارنا ونظرتنا الواهمة إلى الأمور، حتّى يصل بنا إلى الابن الذي يعلن عن نفسه ويقول: "أنا هو الحق". وعلى الرغم من إعلان الابن هذا، فإننا لم نبلغ الحقيقة بعدُ. صحيح أنها أعطيَت لنا بالمسيح، لكن المسيح ظلّ غامضاً بالنسبة إلينا، ولا نستطيع أن ننظر إليه" كما هو" (1يو 3/2). لذلك يقودنا الروح إلى الحق (يو 16/13).
وبانتظار أن يساعدنا الروح على اكتشاف الحقيقة، يحقّ لنا، بل لا بدّ لنا، من طرح تساؤلاتنا حول صمت الله وسكونه أمام بؤسنا وشقائنا. كيف لا يغيث الضابط الكل، الكلّي المحبة، إنساناً في حالة خطر؟ أين هو ذلك الأب الذي يعطي الخبز لا الحجر والّذي لا يجعل سائله ينتظر بل يسرع إلى إنصافه (لو 18/7-8 )؟ فالمسألة مهمّة لأنّها تخصّ علاقة الله بالتاريخ وبالعالم وبكلّ واحد منّا. وكلّ هذا ينصبّ في اللاهوت المسيحيّ تحت عنوان: "العناية الإلهية".
العناية الإلهية والخلق
إنّ العناية الإلهيّة لا تقودنا إلى البداية بل إلى البدايات التّي تصف علاقتنا بالآب. لماذا نقول: "بدايات"؟ لأنّ كلّ ما يفعله الله لأجلنا يصحِّح ويجسِّد يوماً بعد يوم العبارة البدئية التي قالها الله لكلّ واحدٍ منّا: "كن". فأبوّة الله تاريخ. ومن هنا يأتي الالتباس، لأننا لا نستطيع أن نقول أنّ ما يحصل هو من العناية الإلهيّة، أي تمّ بمشيئة الله وفعله. فالله غير مسؤول عن أيّ مسبّب للألم أو الموت. بل لنقل إنّ آلامنا وموتنا تمسّ الله. فهو ضحية، سواء لشرّ سببته آليّة عمياء أو لشرّ ناجمٍ عن فساد البشر. ومع ذلك، يظلّ مصدر الشرّ غامضاً، وكلّ محاولةٍ لشرحه تظلّ ناقصة، لكننا نؤمن بأنّ المحبّة بريئة من "سرّ الظلم". فحين ينجرح قلب انسان ينجرح قلب الله.
من جهةٍ أخرى، حين خلق الله العالم، وضع بين يديّ الإنسان كلّ شيء وقال له: "املأوا الأرض وأخضعوها" (تك 1/28). فكلّ شيءٍ يخضع إذاً لحرّيّتنا. وعناية الله تعمل بوساطة الانسان. فعلينا نحن أن نسود ونسيطر على عناصر الشّر والموت. بمعنى آخر، حين خلقنا الله، خلق إنساناً خالقاً. كلّ خير يأتي منه يمرّ من خلالنا إلى الآخرين وإلى الخليقة. وتتمّ الأمور وكأنّ الله لا يتدخّل في عالمنا، وكأنّ تدخلّه مرهون باختيارات الحريّة التي منحنا إيّاها. حين نسعى إلى العناية باختياراتنا الاجتماعيّة والعلاقيّة ... يكون الله عناية. وحين لا نسعى إلى العناية، نمنع الله من أن يكون عناية. فعلى مقولة: المحبة الأبويّة بين يديّ، ومن خلالي أراد آخر أن تكون، يمكننا الإجابة: من خلالي، هناك آخر سيعتني بكَ.
ما الذي يعطيه الله؟
لنعد إلى مسألة الأب الّذي يعطي ابنه رغيفاً أو سمكة (لو 11/9-13). هذا المثل تطبيق لصلاة الأبانا. إذا كان الأب الأرضي يعطي الخبز لا الحجر وسمكة لا حيّة ... كم بالحري يعطي الأب السماوي! ما هو هذا الكَم؟ إنّه ليس زيادة في عدد أرغفة الخبز أو كميّة السمك. فعطاء الله لا يهتمّ باحتياجاتنا المادية الدنيويّة لأن أبانا الأرضيّ هو الذي يتكفّل بذلك؛ أبانا الجسديّ وكلّ مَن يعتني بنا ومن خلالهم تأتينا عناية الآب السماوي. أما ما يعطينا أبونا السماويّ إيّاه مباشرة وبدون وسيط فهو الروح القدس. "فما أولى أباكم السماويّ بأن يمنح سائليه الرّوح القدس" (لو 11/13). بمعنى آخر، الله يعطي ذاته، لأنّ الروح القدس هو روح الله. إنّه يعطي الروح المحرّر من الشرّير؛ روح المحبّة. فالروح هو الخبز الواهب الحياة الذّي يتجدّد يوميّاً. وهو السمكة التي ترمز إلى المسيح في الإنجيل كما في زمن الكنيسة الأولى. وهو البيضة التي ترمز إلى الأصل وإلى المبدأ. فحين يعطي الله الروح يعطي نفسه بكاملها لأن الله روح. وما خلا ذلك فهو زيادة. "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه وهذا كلّه يُزاد لكم" (متى1/33).
يبيّن النصّ الذي ذكرناه من إنجيل لوقا أنّه مهما سألنا الله من أمور، فهو يجيبنا إجابة واحدة: يعطينا روحه. وبالتالي نستنتج ونقول: إنّ العناية الإلهيّة هي إعطاء الروح مراراً وتكراراً. تكراراً لأنّ هذه العطيّة هي كالمنّ، عليها أن تتكرّر بلا انقطاع. فالروح لا يمتلك نفسه، إنّه يهب ذاته في كلّ لحظة، وفي كلّ لحظة علينا أن نستقبله. الروح كالمَن، لا يمكن تخزينه كما نخزّن ممتلكاتنا، فهو للاستهلاك اليوميّ. إذا كان الأمر كذلك، لماذا نسأل الله الصحّة والعمل والنجاح ...؟
اسألوا تعطوا
" لا تكونوا في همّ أبداً، بل ارفعوا حاجاتكم إلى الله كلّما صلّيتم وابتهلتم وحمدتم" (غل 4/6). بمعنى آخر، عبّروا عما يجيش في داخلكم من مشاعر حتّى وإن كان الله يعلم ما أنتم بحاجة إليه. قولوا له ما تريدونه. إنّكم لن تخبروه أمراً جديداً، ولكنّكم بكلامكم هكذا تقرّون بأنّه مصدر كلّ خير. وما هي خلاصة ما نطلبه؟ أن نعيش، أن نعيش في حال أفضل، أن نعيش ملء الحياة. ونحن نسأل المحبّة نفسها أن تهبنا ذلك، متخلّين أمام الآب عن كلّ ما فينا من غضب وعنف وطموح وطمع وحتّى عن كلّ ما لدينا من احتياج. علينا أن نكون عراة أمام الآب. وكلّ موقف يخالف ذلك هو رياء.
ويستجيب الآب لطلباتنا فيمنحنا الروح القدس. إنّه لن يتدخّل بطريقة معجزيّة ليحرّك المقود كي نتفادى حادث سيارة. وسيستمرّ المستبّد في استبداده، ولن تختفي المجاعة ولن يزول الظلم. إلاّ أنّ المصلّي ينال روحاً بحسب احتياجه. روح يجعلنا قادرين على التعامل مع حياة طويلة أو قصيرة، صحّة أو مرض، نجاح أو إخفاق ... فعمل الروح لا يقتصر على تدبير الأمر، بل استعمال الأوضاع الكارثيّة التّي نجد أنفسنا فيها كي نعيش انطلاقاً منها محبّة أعظم، انطلاقاً من وضعنا وحالنا، بما فينا من قوّة وضعف. فالروح يُعطى لنا كي نبني أنفسنا أكثر فأكثر لنكون على صورة الله ومثاله.
فلننظر إلى المسيح القائم من بين الأموات. فقد استعمل كلّ شرّ الإنسان ووحشيّته وكبرياءه ونزواته وعماه ... ليحعل المحبّة التي تحرّرنا برّاقة. إنّه محرّرنا. حتىّ الموت أزاحه فبرزت الحياة. لم يتدخّل الآب ليوقف كارثة الصليب. بل نُبِذَ هو بأبوّته. لكنّ المحبّة أقوى من الموت، والعناية الإلهية قيامة

الأربعاء، 1 أكتوبر 2008

التطورالتاريخي لصوم السيدة العذراء

ارتبط صوم السيدة العذراء بأحد أعيداها الذى يعقب الصوم مباشرة ، وهو عيد تذكار صعود جسدها إلى السماء في 16 مسرى / 22 أغسطس . وجدير بالذكر أن هذا العيد سابقاً بزمن طويل للصوم الذى ألحق بها بعد ذلك بعدة قرون
وأول إشارة عنه في الكنيسة القبطية نجدها عند القديس أنبا ساويرس ابن المقفغ أسقف الأشمونين في كتابه "مصباح العقل" حيث يقول : " والصيام الذى يصومه أهل المشرق ونسميه صيام البتول مريم ، وهو في خمسة عشر مسرى
وبرغم أنها إشارة مبهمة إلا أنه يتضح لنا منها أنه صوم معروف فى الشرق المسيحي ، ولكن يبدو أن الأنبا ساويرس يتحدث هنا عن صوم يوم واحد في 15 مسرى يعقبه عيد العذراء في 16 مسرى
+ وفي القرن الثانى عشر يأتي ذكر صوم العذراء في مصر صراحة لأول مرة ولمدة ثلاثة أسابيع ، ولكنه صوم كان قاصراً على العذارىفي البداية. وهو ما نقرأه في كتاب الشيخ المؤتمن أبو المكارم سعد الله بن جرجس بن مسعود (1209 م) فيقول: "صوم العذارى بمصر من أول مسرى إلى الحادى والعشرين منه. ويتلوه فصحهم في الثانى والعشرين منه
+ وفي خلال نصف القرن بدأ هذا الصوم يزداد شيوعاً بين الناس ، ولكنةكان بالأكثر قاصراً على المتنسكين والراهبات . فيذكر ابن العسال (1260 م) في كتابة "المجموع الصفوى" عن هذا الصوم فيقول " صوم السيدة العذراء، وأكثر ما يصومه المتنسكون والراهبات، وأوله أول مسرى وعيد السيدة فصحه (أى فطره)
ومع حلول القرن الرابع عشر نجد أن هذا الصوم قد صار شائعاً بين الناس كلهم، لأن ابن كبر (1324 م) في الباب الثامن عشر من كتابه "مصباح الظلمةوإيضاح الخدمة" ينقل ما سبق ذكره عن ابن العسال ،ولكنه حذف عبارة "وأكثر ما يصومه المتنسكون والراهبات "
ولازال صوم السيدة العذراء حتى اليوم هو أحب الأصوام إلى قلوب الناس قاطبة في الشرق المسيحى، الذى اختصته العذراء القديسة بظهوراتها الكثيرة المتعاقبة
+ صوم السيدة العذراء عند الروم الأرثوذكس هو أيضاً خمسة عشر يوماً كما في الكنيسة القبطية، وهو خمسة أيام عند كل من السريان الأرثوذكس والأرمن الأرثوذكس. أما عند الروم الكاثوليك يوما الجمعة اللذان يقعان بين يوم 14،1 من شهر أغسطس . ويصومه الكلدان يوماً واحدا

وجود‏ ‏الله

نظام‏ ‏العالم‏ ‏وقوانين‏ ‏الطبيعة‏ ‏برهان‏ ‏قاطع‏ ‏علي‏ ‏وجود‏ ‏الله
نقول‏ ‏في‏ ‏قانون‏ ‏الإيمان‏:‏بالحقيقة‏ ‏نؤمن‏ ‏بإله‏ ‏واحد‏ ‏وهذه‏ ‏العبارة‏ ‏تنطوي‏ ‏علي‏ ‏حقيقتين‏:‏
الحقيقة‏ ‏الأولي‏:‏إننا‏ ‏نؤمن‏ ‏بوجود‏ ‏الله‏.‏والحقيقة‏ ‏الثانية‏:‏أن‏ ‏الله‏ ‏واحد‏.‏
ونتناول‏ ‏هنا‏ ‏الكلام‏ ‏عن‏ ‏وجود‏ ‏الله‏.‏
يقول‏ ‏العامة‏:‏الله‏ ‏لم‏ ‏يره‏ ‏أحد‏ ‏قط‏,‏ولكن‏ ‏الناس‏ ‏عرفوه‏ ‏بالعقل‏,‏وهذا‏ ‏صحيح‏ ‏بمعني‏ ‏أنه‏ ‏ليس‏ ‏في‏ ‏مقدور‏ ‏الإنسان‏ ‏وفي‏ ‏إمكاناته‏ ‏الحاضرة‏ ‏أن‏ ‏يشاهد‏ ‏لاهوت‏ ‏الله‏ ‏كما‏ ‏هو‏ ‏في‏ ‏حقيقته‏,‏ولكنه‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يحكم‏ ‏بعقله‏ ‏أن‏ ‏الله‏ ‏موجود‏ ‏وهو‏ ‏الذي‏ ‏أوجد‏ ‏العالم‏ ‏وخلقه‏ ‏من‏ ‏العدم‏.‏
ويقول‏ ‏الرب‏ ‏نفسه‏ ‏لموسي‏ ‏النبي‏ ‏عندما‏ ‏اشتهي‏ ‏أن‏ ‏يري‏ ‏الله‏:‏لا‏ ‏تستطيع‏ ‏أن‏ ‏تري‏ ‏وجهي‏ ‏لأنه‏ ‏لا‏ ‏يراني‏ ‏إنسان‏ ‏ويعيش‏ (‏سفر‏ ‏الخروج‏33:20).‏وقال‏ ‏عنه‏ ‏ماربولس‏ ‏الرسول‏:‏الذي‏ ‏له‏ ‏وحده‏ ‏الخلود‏ ‏ساكنا‏ ‏في‏ ‏نور‏ ‏لا‏ ‏يدني‏ ‏منه‏,‏الذي‏ ‏لم‏ ‏يره‏ ‏أحد‏ ‏من‏ ‏الناس‏,‏ولا‏ ‏يقدر‏ ‏أن‏ ‏يراه‏ (‏تيموثاوس‏ ‏الأولي‏6:16).‏
نعم‏ ‏نحن‏ ‏لا‏ ‏نقدر‏ ‏الآن‏ ‏أن‏ ‏نري‏ ‏الله‏ ‏ولكننا‏ ‏سنراه‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏,‏عندما‏ ‏نترك‏ ‏هذا‏ ‏الجسد‏ ‏وهذه‏ ‏الحواس‏ ‏الجسدية‏ ‏المحدودة‏ ‏وهي‏ ‏الحواس‏ ‏الخمس‏:‏النظر‏ ‏والسمع‏ ‏والشم‏ ‏والذوق‏ ‏واللمس‏ ‏عن‏ ‏طريق‏ ‏العين‏ ‏والأذن‏ ‏والأنف‏ ‏واللسان‏ ‏واليد‏ ‏ونذهب‏ ‏إلي‏ ‏العالم‏ ‏الباقي‏ ‏بعد‏ ‏الموت‏.‏
أما‏ ‏ونحن‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏الجسد‏ ‏الحاضر‏ ‏وبهذه‏ ‏الحواس‏ ‏المحدودة‏ ‏فلا‏ ‏نستطيع‏ ‏أن‏ ‏نري‏ ‏الله‏,‏لأنه‏ ‏إذا‏ ‏كنا‏ ‏لا‏ ‏نستطيع‏ ‏أن‏ ‏نري‏ ‏الأشياء‏ ‏البعيدة‏ ‏جدا‏,‏ولا‏ ‏نستطيع‏ ‏أن‏ ‏نسمع‏ ‏الأصوات‏ ‏من‏ ‏مسافات‏ ‏بعيدة‏,‏لأن‏ ‏عيوننا‏ ‏وآذاننا‏ ‏ليس‏ ‏في‏ ‏مقدورها‏ ‏ذلك‏,‏فبالأحري‏ ‏لا‏ ‏نستطيع‏ ‏أن‏ ‏نري‏ ‏الله‏ ‏بعيوننا‏.‏
لكننا‏ ‏نفهم‏ ‏بعقولنا‏ ‏أن‏ ‏الله‏ ‏موجود‏.‏
فأنت‏ ‏لا‏ ‏تري‏ ‏الهواء‏ ‏لكنك‏ ‏تؤمن‏ ‏بوجوده‏ ‏عندما‏ ‏يتحرك‏ ‏فيحرك‏ ‏الشباك‏ ‏أو‏ ‏الباب‏ ‏أو‏ ‏أوراق‏ ‏الأشجار‏ ‏أو‏ ‏يثير‏ ‏التراب‏ ‏في‏ ‏الجو‏.‏
فإذا‏ ‏أردت‏ ‏أن‏ ‏تري‏ ‏الله‏ ‏هنا‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏العالم‏,‏فيمكنك‏ ‏أن‏ ‏تراه‏ ‏في‏ ‏مصنوعاته‏ ‏وخلائقه‏,‏وفي‏ ‏نظام‏ ‏الكون‏ ‏العجيب‏,‏وفي‏ ‏قوانين‏ ‏الطبيعة‏ ‏لأن‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏الأشياء‏ ‏تبرهن‏ ‏علي‏ ‏وجود‏ ‏إله‏ ‏ذي‏ ‏عقل‏ ‏جبار‏ ‏وضع‏ ‏كل‏ ‏شئ‏ ‏بحكمة‏ ‏ونظام‏ ‏وترتيب‏ ‏عجيب‏.‏
تأمل‏ ‏نجوم‏ ‏السماء‏ ‏وهي‏ ‏كثيرة‏ ‏جدا‏ ‏لا‏ ‏يحصيها‏ ‏العد‏,‏وكل‏ ‏نجم‏ ‏منها‏ ‏أكبر‏ ‏من‏ ‏الأرض‏ ‏التي‏ ‏نعيش‏ ‏عليها‏,‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏فهذه‏ ‏النجوم‏ ‏التي‏ ‏تزيد‏ ‏في‏ ‏عددها‏ ‏عن‏ ‏الملايين‏,‏تدور‏ ‏حولنا‏ ‏وتتحرك‏ ‏بسرعة‏ ‏هائلة‏,‏وعلي‏ ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏أنها‏ ‏معلقة‏ ‏في‏ ‏الفضاء‏ ‏الواسع‏ ‏دون‏ ‏أعمدة‏ ‏تشدها‏ ‏ولا‏ ‏حبال‏ ‏تربطها‏ ‏لكنها‏ ‏ثابتة‏ ‏لا‏ ‏تسقط‏ ‏علي‏ ‏الأرض‏,‏ولا‏ ‏تصطدم‏ ‏ببعضها‏ ‏بعضا‏ ‏ولا‏ ‏تصطدم‏ ‏بالأرض‏,‏لأن‏ ‏الله‏ ‏الذي‏ ‏خلقها‏ ‏وضع‏ ‏لها‏ ‏مسارات‏ ‏محددة‏ ‏لا‏ ‏تتعداها‏ ‏ولا‏ ‏تتخطاها‏.‏
وتأمل‏ ‏كذلك‏ ‏الشمس‏ ‏التي‏ ‏تشرق‏ ‏علينا‏ ‏بنورها‏ ‏فتضئ‏ ‏الكون‏ ‏كله‏,‏وترسل‏ ‏لنا‏ ‏الحرارة‏ ‏والدفء‏ ‏اللازمين‏ ‏لحياة‏ ‏النبات‏ ‏والحيوان‏ ‏والإنسان‏,‏هي‏ ‏أيضا‏ ‏تبعد‏ ‏عن‏ ‏أرضنا‏ ‏بمسافة‏ ‏تبلغ‏ ‏نحو‏ 93 ‏مليون‏ ‏ميل‏.‏فلو‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏المسافة‏ ‏نقصت‏ ‏إلي‏ 92 ‏مليون‏ ‏ميل‏ ‏لاحترقت‏ ‏الأرض‏ ‏وما‏ ‏عليها‏ ‏بفعل‏ ‏حرارة‏ ‏الشمس‏ ‏المحرقة‏,‏ولو‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏المسافة‏ ‏زادت‏ ‏عن‏ ‏وضعها‏ ‏الحالي‏ ‏لتجمدت‏ ‏الأرض‏ ‏ومات‏ ‏الناس‏ ‏والحيوانات‏ ‏والنباتات‏ ‏من‏ ‏شدة‏ ‏برودة‏ ‏الأرض‏.‏ومعني‏ ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏الشمس‏ ‏تبعد‏ ‏الآن‏ ‏عن‏ ‏الأرض‏ ‏المسافة‏ ‏اللازمة‏ ‏لحفظ‏ ‏الحياة‏ ‏علي‏ ‏الأرض‏.‏وهذا‏ ‏يدل‏ ‏علي‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏المسافة‏ ‏هي‏ ‏من‏ ‏تدبير‏ ‏العقل‏ ‏الإلهي‏ ‏الذي‏ ‏يحكم‏ ‏الكون‏ ‏بحكمة‏ ‏عجيبة‏.‏
وتأمل‏ ‏أيضا‏ ‏هذه‏ ‏الشمس‏ ‏المشرقة‏ ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏الأرض‏ ‏تدور‏ ‏حولها‏,‏ونتيجة‏ ‏لهذا‏ ‏الدوران‏ ‏تتكون‏ ‏فصول‏ ‏السنة‏ ‏الأربعة‏ ‏من‏ ‏ربيع‏ ‏إلي‏ ‏صيف‏ ‏إلي‏ ‏خريف‏ ‏إلي‏ ‏شتاء‏,‏كل‏ ‏منها‏ ‏يمتد‏ ‏إلي‏ ‏ثلاثة‏ ‏شهور‏ ‏كاملة‏.‏والربيع‏ ‏يجئ‏ ‏دائما‏ ‏في‏ 23 ‏مارس‏,‏والصيف‏ ‏في‏ 21 ‏يونيو‏ ‏والخريف‏ ‏في‏ 23 ‏سبتمبر‏ ‏والشتاء‏ ‏في‏ 22 ‏ديسمبر‏.‏وهذه‏ ‏الفصول‏ ‏تذهب‏ ‏وتجئ‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏عام‏ ‏في‏ ‏أوقاتها‏ ‏المحددة‏ ‏بلا‏ ‏تخلف‏,‏مما‏ ‏يدل‏ ‏علي‏ ‏أن‏ ‏حركة‏ ‏الأرض‏ ‏حول‏ ‏الشمس‏ ‏حركة‏ ‏منظمة‏,‏وبناء‏ ‏عليها‏ ‏يصير‏ ‏طول‏ ‏النهار‏ ‏كطول‏ ‏الليل‏ ‏في‏ ‏الاعتدال‏ ‏الربيعي‏ (23 ‏مارس‏) ‏والاعتدال‏ ‏الخريفي‏ (23‏سبتمبر‏),‏بحيث‏ ‏يصبح‏ ‏النهار‏ 12 ‏ساعة‏ ‏والليل‏ ‏مثله‏ 12 ‏ساعة‏.‏أما‏ ‏النهار‏ ‏في‏ 21 ‏يونيو‏ ‏فيبلغ‏ 14 ‏ساعة‏ ‏بينما‏ ‏الليل‏ ‏يبلغ‏ 10 ‏ساعات‏.‏والعكس‏ ‏في‏ 22 ‏ديسمبر‏,‏فيصير‏ ‏الليل‏ 14 ‏ساعة‏,‏والنهار‏ 10 ‏ساعات‏.‏
وتأمل‏ ‏القمر‏ ‏أيضا‏ ‏الذي‏ ‏يضئ‏ ‏علينا‏ ‏بالليل‏.‏وكيف‏ ‏يدور‏ ‏حول‏ ‏الأرض‏ ‏كل‏ ‏شهر‏ ‏دورة‏ ‏تكتمل‏ ‏في‏ 28 ‏يوما‏.‏تأمله‏ ‏وهو‏ ‏هلال‏ ‏صغير‏ ‏يكبر‏ ‏ضوؤه‏ ‏يوما‏ ‏فيوما‏ ‏إلي‏ ‏أن‏ ‏يبلغ‏ ‏في‏ ‏الرابع‏ ‏عشر‏ ‏من‏ ‏الشهر‏ ‏فيصير‏ ‏بدرا‏ ‏كاملا‏,‏ثم‏ ‏يأخذ‏ ‏في‏ ‏النقص‏ ‏حتي‏ ‏يصير‏ ‏إلي‏ ‏المحاق‏.‏كل‏ ‏هذا‏ ‏يحدث‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏شهر‏ ‏بنظام‏ ‏ثابت‏ ‏دقيق‏ ‏لا‏ ‏يتغير‏ ‏ولا‏ ‏يتبدل‏,‏مما‏ ‏يدل‏ ‏علي‏ ‏قوة‏ ‏جبارة‏ ‏وعقل‏ ‏كبير‏ ‏يحكمه‏,‏هو‏ ‏عقل‏ ‏الله‏ ‏الذي‏ ‏يملأ‏ ‏مجده‏ ‏السماوات‏ ‏والأرض‏.‏
وهذا‏ ‏القمر‏ ‏الذي‏ ‏يدور‏ ‏حول‏ ‏أرضنا‏ ‏يعكس‏ ‏علينا‏ ‏نور‏ ‏الشمس‏ ‏في‏ ‏الأوقات‏ ‏التي‏ ‏يختفي‏ ‏ضوؤه‏ ‏هنا‏,‏حتي‏ ‏لا‏ ‏نحرم‏ ‏من‏ ‏النور‏ ‏أثناء‏ ‏الليل‏,‏ألا‏ ‏يدلنا‏ ‏هذا‏ ‏علي‏ ‏رعاية‏ ‏الله‏ ‏لنا‏ ‏وعنايته‏ ‏بنا؟‏!‏
وهذا‏ ‏القمر‏ ‏يبعد‏ ‏عن‏ ‏أرضنا‏ ‏نحو‏ 300.000 ‏ميل‏ ‏أو‏ ‏علي‏ ‏الدقة‏ 276.000 ‏ميل‏ ‏وهو‏ ‏لذلك‏ ‏يحفظ‏ ‏وضع‏ ‏المحيطات‏ ‏والبحار‏ ‏في‏ ‏أماكنها‏.‏فلو‏ ‏أن‏ ‏القمر‏ ‏اقترب‏ ‏إلينا‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏وضعه‏ ‏الحالي‏ ‏فماذا‏ ‏كان‏ ‏يحدث؟‏ ‏سوف‏ ‏يجذب‏ ‏المياه‏ ‏إليه‏,‏ويحدث‏ ‏نتيجة‏ ‏هذا‏ ‏مدا‏ ‏عظيما‏ ‏جدا‏,‏بحيث‏ ‏تخرج‏ ‏المياه‏ ‏من‏ ‏المحيطات‏ ‏والبحار‏ ‏وتغرق‏ ‏الأرض‏ ‏كلها‏ ‏فيموت‏ ‏الناس‏ ‏والحيوان‏ ‏ويموت‏ ‏النبات‏ ‏أيضا‏.‏ولكن‏ ‏قوة‏ ‏الله‏ ‏هي‏ ‏التي‏ ‏رسمت‏ ‏أن‏ ‏يبعد‏ ‏القمر‏ ‏عن‏ ‏الأرض‏ ‏مسافة‏ ‏معينة‏ ‏محدودة‏,‏هي‏ ‏المسافة‏ ‏التي‏ ‏تحفظ‏ ‏حياة‏ ‏البشر‏ ‏وحياة‏ ‏سائر‏ ‏الكائنات‏.‏
وتأمل‏ ‏النبات‏ ‏أيضا‏ ‏فماذا‏ ‏تري؟
ألا‏ ‏تري‏ ‏أن‏ ‏الأرض‏ ‏واحدة‏ ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏تنبت‏ ‏عليها‏ ‏نباتات‏ ‏متنوعة‏ ‏من‏ ‏الحشائش‏ ‏والخضراوات‏ ‏والبقول‏ ‏والفواكه‏ ‏وكل‏ ‏نوع‏ ‏منها‏ ‏يتميز‏ ‏بمميزات‏ ‏خاصة‏ ‏يعرف‏ ‏بها‏,‏بحيث‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نقول‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏برتقالة‏ ‏وهذه‏ ‏بصلة‏ ‏وهذه‏ ‏جزرة‏ ‏وهذه‏ ‏بطيخة‏...‏إلخ‏ ‏لأن‏ ‏كلا‏ ‏منها‏ ‏له‏ ‏صفات‏ ‏معينة‏ ‏يتميز‏ ‏بها‏ ‏في‏ ‏حجمه‏ ‏وشكله‏ ‏ولونه‏ ‏وطعمه‏ ‏ورائحته‏.‏
خذ‏ ‏علي‏ ‏سبيل‏ ‏المثال‏ ‏الرمانة‏ ‏وتأمل‏ ‏تركيبها‏ ‏وفصوصها‏ ‏وكيف‏ ‏أن‏ ‏حباتها‏ ‏متجاورة‏ ‏بنظام‏ ‏هندسي‏ ‏خاص‏,‏تفصل‏ ‏بينها‏ ‏فواصل‏ ‏بيضاء‏ ‏رقيقة‏ ‏وتضمها‏ ‏جميعا‏ ‏قشرة‏ ‏من‏ ‏نوع‏ ‏خاص‏ ‏ولها‏ ‏صلابة‏ ‏خاصة‏ ‏وشكل‏ ‏خاص‏,‏تتميز‏ ‏به‏ ‏عن‏ ‏البرتقالة‏ ‏أو‏ ‏عن‏ ‏الكمثري‏ ‏أو‏ ‏عن‏ ‏جوز‏ ‏الهند‏ ‏أو‏ ‏الفجل‏ ‏أو‏ ‏الطماطم‏,‏ألا‏ ‏يدل‏ ‏هذا‏ ‏كله‏ ‏علي‏ ‏عقل‏ ‏عظيم‏ ‏صنع‏ ‏كل‏ ‏شئ‏ ‏بنظام‏ ‏وحكمة‏ ‏عالية؟
ثم‏ ‏انظر‏ ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏كل‏ ‏نبات‏ ‏يمتص‏ ‏من‏ ‏الأرض‏ ‏الأملاح‏ ‏التي‏ ‏تناسبه‏ ‏وبالمقادير‏ ‏التي‏ ‏يحتاج‏ ‏إليها‏ ‏بالضبط‏,‏وهكذا‏ ‏يأخذ‏ ‏من‏ ‏الشمس‏ ‏النور‏ ‏والحرارة‏ ‏واللون‏ ‏والطعم‏ ‏والرائحة‏.‏
خذ‏ ‏مثلا‏ ‏التفاحة‏ ‏أو‏ ‏البطيخة‏ ‏أو‏ ‏واحدة‏ ‏من‏ ‏الطماطم‏,‏تجدها‏ ‏تمتص‏ ‏من‏ ‏التربة‏ ‏شيئا‏ ‏من‏ ‏السكر‏,‏وشيئا‏ ‏من‏ ‏الملح‏ ‏وشيئا‏ ‏من‏ ‏الكربون‏ ‏وغيره‏ ‏بمقادير‏ ‏معينة‏ ‏تختلف‏ ‏في‏ ‏التفاح‏ ‏عنها‏ ‏في‏ ‏البطيخ‏ ‏عنها‏ ‏في‏ ‏الطماطم‏,‏مما‏ ‏يدل‏ ‏علي‏ ‏أن‏ ‏هناك‏ ‏عقلا‏ ‏يحكم‏ ‏هذا‏ ‏التركيب‏ ‏الكيميائي‏.‏
وما‏ ‏نقوله‏ ‏عن‏ ‏النباتات‏ ‏نقوله‏ ‏عن‏ ‏الحيوانات‏ ‏ونقوله‏ ‏أيضا‏ ‏عن‏ ‏تركيب‏ ‏جسم‏ ‏الإنسان‏.‏
تأمل‏ ‏كيف‏ ‏يتألف‏ ‏من‏ ‏أعضاء‏ ‏كالعينين‏ ‏والأذنين‏ ‏والأنف‏ ‏والفم‏ ‏واليدين‏ ‏والرجلين‏,‏وتأمل‏ ‏تركيبه‏ ‏الداخلي‏ ‏كالقلب‏ ‏والرئتين‏ ‏والمعدة‏ ‏والأمعاء‏ ‏والكبد‏ ‏والكليتين‏ ‏إلي‏ ‏غيرها‏ ‏من‏ ‏الأعضاء‏ ‏الصغيرة‏ ‏والشرايين‏ ‏والأوردة‏ ‏والأعصاب‏ ‏والعضلات‏ ‏والعظام‏,‏كل‏ ‏منها‏ ‏مركب‏ ‏تركيبا‏ ‏فنيا‏ ‏يدل‏ ‏علي‏ ‏حكمة‏ ‏عالية‏ ‏وغاية‏ ‏سامية‏ ‏لصالح‏ ‏الجسم‏ ‏كله‏,‏وهي‏ ‏تتعاون‏ ‏معا‏ ‏في‏ ‏تآلف‏ ‏وانسجام‏ ‏تحت‏ ‏رقابة‏ ‏العقل‏ ‏الذي‏ ‏يشرف‏ ‏عليها‏ ‏ويوجهها‏.‏
خذ‏ ‏مثلا‏ ‏العينين‏ ‏وتأمل‏ ‏تركيبها‏ ‏وكيف‏ ‏تستقبل‏ ‏صور‏ ‏المرئيات‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏عدستها‏,‏وفي‏ ‏سبيل‏ ‏الإبصار‏ ‏تتعاون‏ ‏أجزاؤها‏ ‏المختلفة‏,‏كالقرنية‏ ‏والقزحية‏ ‏والشبكية‏ ‏والعصب‏ ‏البصري‏.‏كل‏ ‏جزء‏ ‏منها‏ ‏يؤدي‏ ‏عملا‏ ‏يختلف‏ ‏عن‏ ‏الآخر‏.‏
وتأمل‏ ‏المخ‏ ‏وكيف‏ ‏يستقبل‏ ‏المعلومات‏ ‏والأخبار‏ ‏والمعارف‏ ‏المختلفة‏ ‏في‏ ‏شتي‏ ‏أنواع‏ ‏العلوم‏ ‏والدراسات‏,‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏تصير‏ ‏هذه‏ ‏المعلومات‏ ‏متميزة‏ ‏غير‏ ‏مختلطة‏ ‏بحيث‏ ‏يمكن‏ ‏للإنسان‏ ‏أن‏ ‏يسترجعها‏ ‏عندما‏ ‏يريد‏.‏
وهكذا‏ ‏قل‏ ‏عن‏ ‏الأذن‏ ‏التي‏ ‏تتألف‏ ‏من‏ ‏أذن‏ ‏خارجية‏ ‏وأذن‏ ‏وسطي‏ ‏وأذن‏ ‏داخلية‏ ‏وستة‏ ‏آلاف‏ ‏وتر‏,‏واللسان‏ ‏الذي‏ ‏يتألف‏ ‏من‏ ‏تسعة‏ ‏آلاف‏ ‏حلمة‏ ‏بعضها‏ ‏يختص‏ ‏بمذاق‏ ‏الأشياء‏ ‏الحلوة‏,‏وبعضها‏ ‏لتذوق‏ ‏الأشياء‏ ‏المرة‏,‏وبعضها‏ ‏الثالث‏ ‏لتذوق‏ ‏الأشياء‏ ‏الحذقة‏ ‏أو‏ ‏الحريفة‏,‏وتأمل‏ ‏الأسنان‏ ‏وعددها‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏إنسان‏ ‏اثنين‏ ‏وثلاثين‏ ‏سنة‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏فك‏ ‏أربعة‏ ‏قواطع‏ ‏لتقطيع‏ ‏الطعام‏ ‏ومضغه‏,‏نابان‏ ‏لتمزيقه‏,‏أربعة‏ ‏ضروس‏ ‏أمامية‏ ‏لمضغه‏,‏وستة‏ ‏ضروس‏ ‏خلفية‏ ‏لطحنه‏,‏وقل‏ ‏مثل‏ ‏ذلك‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏عضو‏ ‏من‏ ‏أعضاء‏ ‏الجسم‏,‏وفي‏ ‏كل‏ ‏جهاز‏ ‏من‏ ‏أجهزته‏ ‏المختلفة‏, ‏ففي‏ ‏كل‏ ‏منها‏ ‏يبدو‏ ‏النظام‏ ‏والتوافق‏ ‏كما‏ ‏تبدو‏ ‏الحكمة‏ ‏العجيبة‏ ‏في‏ ‏تركيبه‏ ‏وفي‏ ‏عمله‏.‏
وبالإجمال‏ ‏إن‏ ‏التأمل‏ ‏في‏ ‏الطبيعة‏ ‏الجامدة‏ ‏والحية‏,‏النظر‏ ‏في‏ ‏السماوات‏ ‏والأرض‏,‏وما‏ ‏اشتمل‏ ‏عليه‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏نظام‏ ‏بديع‏,‏يدلنا‏ ‏علي‏ ‏وجود‏ ‏خالق‏ ‏حكيم‏,‏أبدع‏ ‏السماوات‏ ‏والأرض‏,‏بهندسة‏ ‏رائعة‏ ‏وفن‏ ‏عظيم‏ ‏ودقة‏ ‏كاملة‏.‏
لذلك‏ ‏قال‏ ‏سفر‏ ‏المزامير‏:‏السماوات‏ ‏تنطق‏ ‏بمجد‏ ‏الله‏ ‏والفلك‏ ‏يخبر‏ ‏بعمل‏ ‏يديه‏ (‏مزمور‏18:1).‏
وجاء‏ ‏في‏ ‏سفر‏ ‏أيوب‏ ‏اسأل‏ ‏البهائم‏ ‏فتعلمك‏,‏وطيور‏ ‏السماء‏ ‏فتخبرك‏ ‏وكلم‏ ‏الأرض‏ ‏فتعلمك‏,‏وأسماك‏ ‏البحر‏ ‏تحدثك‏.‏من‏ ‏لا‏ ‏يعلم‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏هؤلاء‏ ‏أن‏ ‏يد‏ ‏الرب‏ ‏صنعت‏ ‏هذا‏ (‏أيوب‏12:7).‏
ويقول‏ ‏القديس‏ ‏أوغسطينوس‏:‏سألت‏ ‏الأرض‏ ‏فأجابت‏ ‏لست‏ ‏أنا‏ ‏هو‏ ‏الله‏.‏سألت‏ ‏البحر‏ ‏وأعماقه‏ ‏وما‏ ‏فيه‏ ‏من‏ ‏زواحف‏ ‏وأحياء‏ ‏فأجابتني‏ ‏كلها‏:‏لست‏ ‏أنا‏ ‏الله‏.‏سألت‏ ‏النسيم‏ ‏العليل‏,‏والعاصفة‏ ‏العاتية‏,‏والهواء‏ ‏وما‏ ‏فيه‏ ‏من‏ ‏عناصر‏.‏فقيل‏ ‏لي‏ ‏أنت‏ ‏مخطئ‏ ‏أنا‏ ‏لست‏ ‏الله‏.‏سألت‏ ‏السماء‏ ‏والشمس‏ ‏والقمر‏ ‏والكواكب‏ ‏فأجابتني‏ ‏كلها‏ ‏لست‏ ‏أنا‏ ‏مطلبك‏,‏ناجيت‏ ‏جميع‏ ‏الخلائق‏ ‏التي‏ ‏تحيط‏ ‏بمنافذ‏ ‏حواسي‏ ‏الجسدية‏,‏فقالت‏ ‏لي‏ ‏إن‏ ‏الله‏ ‏ليس‏ ‏ههنا‏.‏إذن‏ ‏نبئيني‏ ‏أين‏ ‏هو؟‏ ‏فصرخت‏ ‏كلها‏ ‏بصوت‏ ‏واحد‏:‏هو‏ ‏الذي‏ ‏صنعنا‏.‏
كتب‏ ‏في‏ ‏عام‏ 1964 بقلم المتنيح : الأنبا غريغوريوس
 

Hit Counter
Dating Site