الاثنين، 30 أغسطس 2010

القيـم السلــيمة والتقييـم الخاطـئ

إن كلمة (قيم) من الناحية الأخوية هى كلمة جمع ومفردها (قيمة). وتعني الأشياء ذات القيمة التي تقود الإنسان في حياته. والمقصود بها إصطلاحاً. هى الأمور السامية ذات القيمة التي يهتم بها كل من يتبع طريقاً فاضلاً، ويتمسك بها كمبادئ يبدأ بها كل عمل يعملهفما هى الأشياء التي لها قيمة في تقديرك؟ والتي تقودك في حياتك؟إن الناس يختلفون من جهة القيم. فالإنسان الروحي له قيم عالية يضعها أمامه بأستمرار. بينما هناك أشخاص في العالم، يعيشون بلا قيم أو لهم قيم آخرى غير روحية، أو لهم تقييمهم الخاص للأمور.* في قلب كل إنسان يوجد إهتمام بشئ معين له القيمة الأولى في تقديره الخاص. ومن أجل هذا الشئ يبذل كل جهده. وفيه يركّز كل عاطفته. فهناك من يركز كل همه في المال، ويعطيه كل القيمة. وهناك من يركز القيمة كلها في الشهرة أو العظمة. وهناك من يجعل القيمة كلها في النجاح أو التفوق...وبحسب هذا التركيز قد تختفي القيم السابقة التي ربما لا يفكر فيها إطلاقاً!
وهنا يقف أمامنا موضوع هام هو: الغرض والوسيلة: فإنسان له غرض معين يعطيه كل القيمة، ربما في سبيله لا يهتم بنوعية الوسيلة التي توصله إليه، وقد تكون وسيلة خاطئة! فلا مانع مثلاً من الكذب والخداع والفن والحيلة لكي يصل إلى غرضه اياً كان هذا الغرض! فإن وصل، يشعر بفرحة النجاح، حتى إن كانت راحتك قائمة على تعب الآخرين! لا شك إن هذا هو إنسان وصولي، يعيش بلا قيم، قد فقد السمو في الغرض والوسيلة، كليهما! وفرحه فرح باطل! أما الإنسان الروحي، فيضع أمامه غرضاً صالحاً। ولابد أن تكون وسائله الموصله إلى هذا الغرض الصالح هى وسائل صالحة أيضاً. فهكذا يكون أصحاب القيم والمبادئ।
وهنا نتعرض لموضوع هام هو: معنى النجاح
كل إنسان يشتاق إلى النجاح। ويمثل النجاح إحدى القيم التي يضعها أمامه. ولكن ما هو النجاح. ونقصد النجاح بمعناه الحقيقي... ذلك لأن الأشرار يفرحون أيضاً إذا ما نجحوا في تحقيق الشر الذي يريدونه! وكل صاحب غرض يفرح بنجاحه في الوصول إلى غرضه مهما كان خاطئاً! ونحن لا نقصد النجاح بهذا المعنى॥ فالنجاح الحقيقي هو أن تصل إلى نقاوة القلب، وليس فقط إلى تحقيق أغراضك أياً كانت..وهكذا يكون النجاح هو أن تنتصر على نفسك، لا أن تنتصر على غيرك
والنجاح هو أن تصل إلى ملكوت الله في قلبك. وكل غرض آخر لك يكون داخل هذا الملكوت.
فإن خرج نجاحك عن هذه القيم، يكون فشلاً لا نجاحاً.
والعجيب أنه كثيراً ما يطرح إنسان بأنه قد نجح بينما السماء ترثى لحاله! وقد يظمن أنه نجح في أمر من أمور هذا العالم الحاضر، بينما يكون قد خسر أبديته!
وهنا لابد لنا أن نعرض لإحدى القيم الهامة وهى الإهتمام بالأبدية.
***
الإهتمام بالأبدية
الإنسان الروحي يكون إهتمامه الأول هو بأبديته، أي في مصيره الأبدي. وينمو في هذا الشعور حتى تشغل الأبدية كل إهتمامه، تصير الأبدية صاحبة القيمة الأولى في حياته. وكل عمل أو غرض يتعارض مع أبديته يرفضه رفضاً كاملاً. وهذا الإهتمام بالأبدية يجعل لحياته إتجاهاً روحياً ثابتاً، حريصاً على محبة الله وحفظ وصاياه.
هذا الإتجاه الروحي يفقده الذين جعلوا القيمة الأولى لحياتهم هى الإنشغال بالعالميات وبالمركز والمتعة إنشغالاً ملك كل تفكيرهم، وأنساهم الحياة الأبدية، كما أنساهم قول السيد المسيح: "ماذا يستفيد الإنسان، لو ربح العالم كله وخسر نفسه"...!!
***
ليتك تسال نفسك ايها القارئ العزيز: ما هى قيمة الحياة الأبدية عندك؟ هل هى إحدى القيم الأساسية التي تحرص عليها، ولا تبرح ذاكرتك في اي وقت؟ أم أنت لا تفكر فيها على الإطلاق، تشغلك عنها أهتمامات كثيرة؟ فما هى هذه الأمور الكثيرة التي تنال منك أهتماماً وتقيماً أكثر من أبديتك؟! أما آن الأوان أن تصلح موازينك الروحية، وتعيد تقييمك للأمور، حتى تنال ما يليق بها من إهتمام وتركيز في قلبك وفي فكرك وفي توزيع وقتك؟
إنه كلما ترتفع قيمة الأبدية في قلبك وفي فكرك، فعلى هذا الحدّ تصغر وتتضاءل قيمة شهوات العالم في نظرك.. وهذه بلا شك واحدة من معالم الطريق الروحي... لأنه سيأتي وقت يفارق فيه الإنسان كل ما في العالم من متع وملاذ، ويقف ليقدم للّه حساباً.
لقد جرَّب القديس أوغسطينوس كل شهوات العالم قبل توبته، ولكن لما تاب وصغرت كل هذه الأمور في نظره، أستطاع أن يقول: جلست على قمة العالم، حينما أحسست في نفسي أني لا أشتهي شيئاً ولا أخاف شيئاً.
أتركك الأن يا قارئي العزيز وإلى اللقاء في المقال المقبل لنكمّل باقي تأملاتنا.

السبت، 1 مايو 2010

درب نفسك علي الهدوء

إذا أردت ان تدرب نفسك علي الهدوء ـ وبخاصة هدوء القلب وهدوء الأعصاب وهدوء الحياة ـ فعليك بالنصائح الآتية‏:
‏‏1‏ـ لاتسمح لأي شيء أن يثيرك‏، بل تقبل كافة الأمور بنفس هادئة‏، لا تنفعل كثيرا بالاسباب الخارجية مهما كانت تبدو متعبة‏، ولا تقلق وتضطرب‏، وان انفعلت‏، حاول ان تضع هدوءاً لانفعالك‏، وان تهدئ نفسك‏، ولاتتصور أو تتخيل نتائج خطيرة سوف تحدث‏، فهذا التخيل سوف يزعجك‏، وقل لنفسك‏:‏ ان كل مشكلة لها حل أو بضعة حلول‏.‏ فكر اذن في الحلول‏، حينئذ يدخل الهدوء اليقلبك‏.‏ وان عجزت عن ايجاد حل‏، استشر غيرك‏، وان عجز الغير ايضا فاعط المشاكل مدي زمنيا تحل فيه‏، واطلب معونة الله وتدخله وستره‏.
‏‏2‏ـ كن دائما قوي القلب قوي الايمان‏، واسع الصدر في مقابلة المتاعب‏، بحيث لا تتضايق بسرعة‏، واعلم ان الضيقة قد سميت هكذا‏، لان القلب قد ضاق عن ان يتسع لها‏، اما القلب الواسع فانه لايتضيق بشيء وان قطعة من الطين اذا القيت في كوب من الماء فانها تعكره‏، اما اذا ما القيت في المحيط فانها لاتعكره‏، بل يفرشها في أعماقه ويقدم لك ماء رائعا‏..
‏‏3‏ـ مما يفيدك في حياتك‏، ان تكون لك روح المرح والبشاشة‏.‏ فإنها تجلب للانسان هدوءا في النفس‏، واسترخاء في الاعصاب‏، وتبعد عنه الكآبة والاضطراب‏، ومهما كان الجو مكهربا وصاخبا‏، فإن الانسان المرح‏، يستطيع بفكاهة لطيفة ان يزيل جو التوتر‏..‏ وعموما فإن المتصفين بالمرح‏، تكون أعصابهم هادئة‏، بل انهم بالأكثر يمكنهم ان يهدئوا غيرهم أيضا‏.‏ كما ان الوجوه البشوشة تشيع الهدوء في الاخرين‏.‏ لهذا درب نفسك علي البشاشة والمرح‏، وتقبل كثيرا من الأمور بهذه الروح‏
.‏‏4‏ـ كذلك ان أردت ان تكتسب الهدوء‏، يمكنك ذلك بمعاشرة الاشخاص الهادئين‏، بعكس الذي يختلط دائما بالمضطربين والثائرين‏، فانهم ينقلون اليه عدوي مشاعرهم‏، فالخائفون ينقلون اليه خوفهم‏، والمتشائمون ينقلون اليه تشاؤمهم‏، وكذلك فالذين يحاربهم الشك والضيق ينقلون الي غيرهم الشكوك والضيقات‏، أما معاشرة الهادئين فانها تمنح الثقة والطمأنينة والسلام‏.‏ إن معاشرة الهادئين هي من أفضل أنواع المهدئات‏
.‏‏5‏ـ كذلك درب نفسك علي عدم الاندفاع وعدم التسرع‏، واعرف ان قلة الصبر تدل علي عدم هدوء الانسان في الداخل‏، فالانسان الهادئ يكون دائما طويل البال‏، فان اضطرب يفقد القدرة علي الصبر‏، ولايستطيع ان ينتظر حتي تحل الأمور‏، إنما يريد ان يعمل الان أي عمل أو يتكلم أي كلام أو يتخذ أي قرار‏!!‏ وفي ذلك ما يضره‏.
‏‏6‏ـ مادمت لم تصل بعد الي فضيلة الهدوء‏، ابعد اذن بقدر امكانك عن أسباب الاثارة وكل مصادرها‏، ابحث ما هي الأسباب التي تجعلك تفقد هدوءك‏، سواء كانت منك أو من الخارج‏، وتحاشي هذهالاسباب وبخاصة في المعاملات‏، وكما قال أحد الحكماء لا تأخذ وتعطي مع انسان يقاتلك به العدو وابعد عن المناقشات الحادة‏، ولا تستصحب غضوبا‏، وابعد ايضا عن القراءات التي تفقدك الهدوء‏، وعن سماع الأخبار التي تزعجك‏.
‏‏7‏ـ وفي معاملاتك مع الاخرين لاتفترض المثالية في جميعالناس‏، فان قوبلت بتصرف خاطئ من البعض لاتتضايق‏.‏ فالناس هكذا فيهم الطيب والردئ‏، ولا تتوقع انك ستتعامل مع ملائكة أو قديسين‏، إنما مع بشر عاديين‏، لا نسمح لأخطائهم من نحونا ان تقلقنا‏..!
‏‏8‏ـ ابعد عن استخدام العنف بكل أنواعه‏، ولا تواجه العنف بالعنف‏، فليس هذا هو اسلوب الروحيين‏، فالانسان الروحي لايغلبنه الشر‏، بل يغلب الشر بالخير‏.‏ وإذا تملكتك الحيرة في التصرف‏، فشاور أحد الحكماء واعمل بمشورته‏، فإنك بهذا تضيف الي فكرك فكرا أكثر خبرة‏، وتتعلم الحياة عمليا‏..
‏‏9‏ـ لا تلجأ الي العقاقير لكي تحصل علي الهدوء‏، وأعلم ان استخدام المسكنات والمهدئات والمنومات لها ردود فعلها واحذر من ان تتعودها‏.‏ انها كلها تتيهك عن نفسك‏، دون ان تحل مشاكلك أو تزيل متاعبك‏.‏ إنما اعمل علي حل إشكالاتك داخل نفسك‏، وبحلول عملية وطرق روحية‏.
‏‏10‏ـ كذلك لا تلتمس الهدوء بالانطواء والهرب‏، ولا تظن انك في انطوائك علي نفسك قد صرت هادئا‏!‏ كلا‏، فهذا مرض اخر وليس هدوءا‏، فان كانت لك مشكلة في بيتك‏، لا تظن ان حل المشكلة هو في هروبك الي النادي أو المقهي أو احدي السهرات‏، بينما تظل المشكلة قائمة كما هي‏، لاتصلح الا بمواجهتها‏، ومعرفة أسبابها وحلها عمليا‏.
‏‏11‏ـ تعود الهدوء في دخولك وخروجك‏، وفي طريقة كلامك بحيث تكون الفاظك هادئة ليست فيها كلمة عنيفة أو جارحة‏، وقبل ان تلفظ كلمة فكر في نتائجها وفي تأثيرها علي غيرك‏.‏ وإذا كتبت خطابا غير هاديء‏، فلا ترسله بسرعة‏، بل اتركه يوما أو يومين‏، وأعد قراءته‏، وغير ما يلزم تغييره فيه‏، وكل فكر يلح عليك‏، لاتسرع في تنفيذه ولا تطاوعه‏، بل انتظـر حتي تفحصه في هدوء‏..‏‏
12‏ـ اخيرا‏ً،‏ انصحك بأن تعطي جسدك ما يحتاجه من الراحة ولا ترهقه‏،‏ فإن الانسان في حالة الارهاق‏، تكون أعصابه عرضة لعدم الاحتمال‏، وربما يفقد هدوءه ويتصرف بغضب أو عصبية لأتفه الأسباب مما يندم عليه فيما بعد‏.‏ لذلك لاتدخل في مناقشة حادة وانت مرهق‏، ولا تأخذ قرارا مصيريا وانت مرهق‏.

الأربعاء، 7 أبريل 2010

فضيلة الاحتمال

الاحتمال موضوع طويل‏,‏ وله أسباب عديدة‏:‏ فهناك من يحتمل بسبب الوداعة والهدوء في طبعه‏.‏ وهناك من يحتمل لاتضاع قلبه‏.‏ أو بسبب الحكمة إذ يتجنب عواقب الأمور‏.‏ أو لأسباب أخري‏.
ولكن موضوعنا الآن هو الاحتمال بسب المحبة‏,‏ المحبة التي تحتمل كل شئ‏فالذي يحب شخصا يكون مستعدا أن يحتمل منه‏,‏ وأن يحتمل من أجله‏,‏ يحتمل منه إساءاته وأخطاءه‏.‏ ويحتمل من أجله في الدفاع عنه‏.‏ومن أمثلة المحبة التي تحتمل‏,‏ محبة الأمومة ومحبة الأبوة‏:‏ فالأم تحتمل متاعب الحمل والولادة‏,‏ ومتاعب الرضاعة‏,‏ وحمل الابن في صغره‏,‏ ومتاعب الصبر في تربية أبنائها والعناية بهم في غذائهم وفي نظافتهم‏,‏ وفي الاهتمام بصحتهم‏,‏ وفي تعليمهم النطق والكلام‏,‏ وفي الصبر علي صراخ الاطفال وصياحهم وعنادهم إلي أن يكبروا‏.‏ ومن جهة الأب‏:‏ يحتمل كثيرا في تربية أبنائه‏,‏ وفي مشقة العمل للإنفاق عليهم وتوفير كافة احتياجاتهم‏.‏ومن أمثلة المحبة التي تحتمل‏,‏ ما احتمله الشهداء من سجن وعذابات لاتطاق‏,‏ ثابتين في محبة الله‏,‏ ورافضين أن ينكروه إلي أن قطعت رقابهم‏..‏ ولاننسي أيضا احتمال الانبياء والرسل في نشر رسالة الايمان‏,‏ ومايتلقونه من متاعب ومقاومات‏.‏ومن أجل محبة الله أيضا احتمل الرهبان والنساك أن يعيشوا في البراري والقفار وشقوق الأرض‏,‏ بعيدا عن كل عزاء بشري‏,‏ في شظف الحياة زاهدين في كل شئ‏.‏ومن أمثلة المحبة التي تحتمل‏,‏ محبة الجنود لوطنهم‏.‏ إذ يحتملون مشاق التدريب والحرب‏,‏ والتعرض للموت أو للاصابة‏.‏ وربما يحتملون أيضا فقد بعض أعضائهم‏,‏ أو التعرض لجروح شديدة أو تشوهات‏..‏ ونفس الوضع نقوله علي ما تحتمله الشرطة لحفظ الامن‏,‏ ومايتعرضون له احيانا من مقاومات من المتمردين علي النظام‏.‏كل هذه الأمثلة عن المحبة من أجل الغير‏,‏ المحبة التي لاتطلب مالنفسها‏...‏ ومن الأمثلة أيضا رجال المطافئ‏,‏ وفرق الانقاذ علي تنوع تخصصاتهم‏.‏ أولئك يعرضون انفسهم للحريق أو للغرق أو للموت بأنواع كثيرة من اجل الغير‏.‏ ننتقل إلي نقطة أخري وهي الحديث عن محبة المخطئين واحتمال تصرفاتهم‏.‏ المحبة التي تحتمل الغير وتغفر له‏,‏ والمحبة التي تحتمل الإساءة ولاترد بالمثل‏.‏ ولاتشهر بالمخطئ‏,‏ ولا تشكو منه‏,‏ بل المحبة التي تنسي الأساءة‏,‏ ولاتخزنها في ذاكرتها كما يفعل البعض إذ يتذكر الإساءة لشهور وسنوات‏,‏ أما المحبة الغافرة فكثيرا ماتنسي حقوقها الخاصة‏.‏المحبة التي تحتمل هي محبة الشخص صاحب القلب الكبير الواسع‏.‏ الذي يحتمل كلام الآخرين حتي لو كان ذلك بألفاظ صعبة‏.‏ ويحتمل حتي الفكاهة ولو كانت بأسلوب يبدو فيه تهكم‏.‏ ويحتمل العتاب القاسي ولايتضايق‏.‏علي أن يكون الاحتمال في غير ضجر ولاتذمر ولاضيق‏.‏ بل بصدر رحب وروح طيبة‏,‏ غير متمركز حول ذاته وحول كرامتها‏...‏ وطبيعي أن المحبة التي لاتطلب مالنفسها‏,‏ سوف لاتطلب حقوقا لذاتها‏,‏ وبالتالي ستحتمل كل شئ‏,‏ دون أن تحتد‏.‏بعض الناس لايحتملون الذين لايفهمونه‏.‏ ومن هنا كانت مشكلة الأذكياء مع الجهلاء أو الاقل فهما‏,‏ أو مع الطبقات الجاهلة‏.‏ لذلك يبعد مثل هؤلاء الاذكياء عن كثيرين من الناس‏.‏ وقد لايحتمل الواحد منهم طول الوقت في إقناع غيره‏,‏ فيبعد عنه‏.‏ بينما لو كانت في قلبه محبة لأطال أناته علي من لايفهمه‏,‏ وبمحبته يصبر عليه‏.‏ وبذلك يمكنه أن يضم إليه هذا الجاهل باحتماله له‏,‏ ويرجو منه خيرا‏!‏ ونفس الوضع في معاملته للأطفال‏.‏إن القلب الضيق الخالي من الحب‏,‏ هو الذي لايحتمل الآخرين‏.‏ أما القلب المتسع فيستطيع أن يحتمل كل الناس‏.‏ لذلك كن متسعا في قلبك وفي صدرك وفي فهمك‏.‏ ولاتتضايق بسرعة واعرف أن المجتمع فيه أنواع متعددة من الناس‏.‏ وليسوا جميعا من النوع الذي تريده‏.‏ يوجد فيهم كثيرون لم يصلوا بعد إلي المستوي المثالي‏,‏ ولا إلي المستوي المتوسط‏.‏ وعلينا أن نحبهم جميعا‏.‏ وبالمحبة ننزل إلي مستواهم لنرفعهم إلي مستوي أعلي‏.‏ نتأني عليهم‏,‏ ونترفق بهم‏,‏ ونحتمل كل مايصدر من جهالاتهم‏,‏ ونصبر عليهم حتي يصلوا‏..‏لاتقل‏:‏ الناس متعبون‏.‏ بل بمحبتك تعامل معهم‏,‏ وحاول أن تصلح من طباعهم‏.‏ لأنك لو كنت لاتتعامل إلا مع المثاليين‏,‏ فعليك أن تبحث عن عالم آخر تعيش فيه‏.‏وكم مرة قدمنا لله توبة كاذبة‏,‏ وكان الله يقبلنا‏.‏ ثم نعود إلي خطايانا السابقة‏,‏ ويحتملنا الله ويطيل آناته علينا حتي نتوب مرة أخري‏.‏ وكم مرة يأتي موعد الصلاة‏,‏ فنقول ليس لدينا وقت لنصلي‏!‏ عجيب أن هذا التراب يقول لخالقه‏:‏ ليس لدي وقت لأكلمك‏!!,‏ ويحتمل الله عبده‏...‏ وكأنه يقول لهذا العبد‏:‏ إن وجدت وقتا افتكرني‏.‏حقا ليتنا نتعلم دروسا من معاملة الله‏,‏ ونحتمل الناس‏.‏ نحتملهم كما يحتملنا الله‏,‏ ونحتملهم كما احتملهم‏.‏كذلك الإنسان المحب لله يحتمل التجارب والمشاكل والأمراض‏.‏ ولاتتزعزع محبته لله مهما طال وقت التجربة أو ا زدادت حدتها‏.‏ بل يحتمل في ثقة وفي غير تذمر ولايتعجل حل المشكلات‏..‏ بل ينتظر الرب متي يحين الوقت الذي يخلصه فيه‏.‏ والذي يحب الله لايتضايق من انتظاره للرب بل يحتمل‏.‏ فقد يصلي‏,‏ ولايجد أن الصلاة قد استجيبت‏.‏ فلا يشك في محبة الله له‏,‏ ولايظن أن الله قد نسيه‏.‏ بل يحتمل مايظنه متأخرا في الاستجابة‏!!‏ واثقا أن الله لابد سيعمل من أجله‏.‏ ولكن الله دائما يعمل في الوقت المناسب حسب حكمته‏.‏إن القلب الضيق أو الذي محبته قليلة‏,‏ هو الذي يتضجر‏.‏ ويريد أن يطلب الطلب‏,‏ ويناله في التو واللحظة‏,‏ دون أن يحتمل عامل الزمن‏!!‏

الاثنين، 1 فبراير 2010

نصــائـح فى المصـارحـة والعتـاب

كنت أعرفه شخصا حقانيا يحب الحق ويدافع عنه‏.‏ وقد جاء في ذات يوم يطلب مشورتي‏,‏ فقال لي‏:‏ أنا إنسان صريح أحب الصراحة‏.‏ ولاأقبل أن أكون بوجهين‏:‏ أجامل الغير بأحد الوجهين‏,‏ بينما أكون متضايقا من أخطائه‏.‏ لذلك أتكلم مع كل أحد بصراحة‏.‏ غير أن هذه الصراحة تسبب لي مشاكل مع من أصارحهم برأيي فيهم‏,‏ أو من أعاتبهم في تصرفاتهم معي‏.‏ فهم يتعبون ويسببون لي متاعب‏...‏ فماذا أفعل؟ هل من الحرام أن أتكلم بصراحة‏,‏ سواء في الرأي أو العتاب؟‏!‏
فأجبته‏:‏ الصراحة ليست حراما‏.‏ ولكن المهم مع من تكون صراحتك؟ وكيف تكون؟ أي ما هو الأسلوب الذي تتكلم به أثناء صراحتك مع غيرك؟ وهل هو اسلوب لائق أم غير لائق؟ هل هو أسلوب جارح أو قاس؟ وهل يحمل اتهاما ظالما ربما بسبب معلومات وصلت إليك وهي غير سليمة؟ وهل أنت في صراحتك تتدخل فيما لايعنيك‏,‏ وتتجرأ علي ماهو ليس من اختصاصك؟ كذلك ينبغي أن تعرف الأسلوب الذي تتكلم به في صراحة مع شخص أكبر منك سنا أو مقاما أو مركزا‏.‏ فلاشك أن الصراحة معه تختلف عن صراحتك مع شخص في مستواك‏,‏ في نفس سنك ومركزك‏.‏ وتختلف عن صراحتك مع صديق لك توجد بينك وبينه دالة تسمح بأن تستخدم معه الفاظا لاتستطيع أن تستخدمها مع شخص كبير‏:‏ فمثلا تستطيع أن تقول لصديقك أنت غلطان في هذا الأمر‏.‏ بينما لاتستطيع أن تقول لأبيك أو عمك‏,‏ أو لأي شخص له مهابة في نظرك‏. ‏ والصراحة أيضا تحتاج إلي مراعاة أدب المخاطبة‏.‏ يلزمك في ذلك أن تكون حريصا علي انتقاء الألفاظ‏,‏ بحيث تستخدم ألفاظا تصل بها إلي هدفك‏,‏ دون أن تهين من تكلمه أو تجرحه أو تسيء إليه‏,‏ فكل ذلك غير لائق‏.‏ نقول هذا‏,‏ لأن هناك أشخاصا يستخدمون في صراحتهم ألفاظا تعكر الجو وتلهب الموقف‏.‏ ويحاولون أن يخفوا خطأهم هذا تحت اسم الصراحة‏!‏ ويكونون مدانين‏,‏ ليس بسبب صراحتهم‏,‏ وإنما لعدم حرصهم علي أدب التخاطب في الصراحة‏,‏ أو بسبب عدم اللياقة‏.‏ كذلك ينبغي أن تكون الصراحة في حكمة‏,‏ حسب هدف روحي سليم‏,‏ فما هو الهدف من صراحتك؟ هل هو التوبيخ والإهانة ومجرد النقد؟ أم الهدف هو تبليغ رسالة معينة؟ أم الهدف هو العتاب والتصالح؟ أم هدف آخر؟ فإن كان الهدف سليما‏,‏ ينبغي أن تكون الوسيلة الموصلة أيضا هي سليمة‏,‏ وتأتي بنتيجة طيبة‏.‏ لأن مجرد التوبيخ في الصراحة قد يأتي بنتائج سيئة‏.‏
مثال ذلك شخص يقول‏:‏ أنا صريح أقول للأعور إنه أعور في عينه‏.‏ فهل ياأخي إن قلت للأعور هذه العبارة‏,‏ تكون قد خسرته أم ربحته؟ وهل لو عايرته بعبارة أنت أعور‏,‏ تكون صراحتك هذه سببا في إرجاع البصر إلي عينه العوراء؟‏!‏ أم هي صراحة لمجرد التجريح والإهانة والإيذاء‏,‏ بلا أية فائدة تجلبها منها‏!!‏ مثل هذا الإنسان‏(‏ الصريح‏)‏ يري في الصراحة إثباتا لجرأته وشجاعته‏!‏ فلو كان السبب منها مجرد إثبات الذات‏,‏ لاتكون فضيلة‏.‏ بل الصراحة السليمة هي التي هدفها الدفاع عن الحق‏,‏ دون أن تكون للذات هدف منها‏,‏ ثم أمامنا سؤال مهم وهو‏:‏ هل لك سلطان التأديب أو التقويم أو الحكم علي الغير؟
إذن إن تكلمت بصراحة مع إنسان أكبر منك‏,‏ فاخلط صراحتك بالأدب والحكمة‏.‏ وإن كنت صريحا مع من هو أصغر منك‏,‏ فلتكن صراحتك ممزوجة بالرقة والهدوء‏.‏
ولاشك أن هناك فرقا بين الصراحة وسلاطة اللسان‏!‏ وإن كانت الصراحة دفاعا عن الحق‏,‏ فاعلم أنه ليس من الحق‏,‏ أن تستخدم أسلوبا جارحا لتقنع غيرك بما تراه أنت حقا بل إن احترامنا للناس يجعلهم أكثر قبولا لما نقوله لهم‏,‏ وهم يقبلون الصراحة التي في أدب وحكمة‏.‏
أعود إلي الجزء الثاني من سؤالك وهو عن عتابك مع صديق أخطأ إليك‏.‏ من حقك طبعا أن تعاتب بالأسلوب الذي يأتي بنتيجة طيبة‏.‏ وأيضا للعتاب قواعد‏.‏ أولا‏:‏ اعرف طبيعة صديقك‏:‏ هل من النوع الذي يقبل العتاب أم هو لايقبله؟ ذلك لأن هناك من تعاتبه فيثور ويحاول أن يبرر نفسه‏,‏ ويكثر الجدل‏,‏ ويعتبر أنك تتهمه وتظلمه‏.‏ وينتهي العتاب بنتيجة أسوأ‏.‏ وصدق الشاعر الذي قال‏:‏ودع العتاب فرب شر‏..‏ كان أوله العتابا أما الصديق الواسع الصدر‏,‏ المحب‏,‏ الذي يقبل العتاب بصدر رحب‏,‏ وبموضوعية دون أن يغضب وينفعل‏,‏ فهذا يمكنك أن تعاتبه وتصفي الموقف معه‏..‏ ثانيا‏:‏ الذي تعاتبه‏,‏ عاتبه فيما بينك وبينه وحدكما‏,‏ وليس أمام الناس‏.‏ وذلك لأن البعض لا يقبل العتاب أمام الغير الذي تحدثه فيه عن أخطائه نحوك أمام الآخرين‏,‏ فيظهر بذلك في صورة تقلل من شأنه أمامهم‏.‏ ولذلك يري أنه لابد أن يدافع عن ذاته مبررا نفسه ـ وربما ـ مظهرا خطأك أنت‏.‏
ثالثا‏:‏ يجب أن يكون أسلوب عتابك رقيقا ومقبولا وفي محبة‏.‏ بحيث يبدأ أولا بذكر محاسن صديقك وفضائله ومواقفه الطيبة معك‏..‏ قبل أن تذكر الأخطاء التي تريد أن تعاتبه عليها‏.‏ وبهذا تكون قد فرشت مقدمة من الود تجعله مستعدا أن يقبل ماتقوله بعد ذلك‏.‏ واحذر أن تعاتب بعنف‏,‏ وبألفاظ شديدة أو أن تكون كمن يريد أن ينتقم لنفسه أثناء العتاب الذي تحط فيه من قدر صديقك‏.‏ فهذا لايقبله منك‏,‏ وربما يرد عليه بالمثل ويشتعل الموقف‏.‏ رابعا‏:‏ كن واسع الصدر‏,‏ ولاتعاتب علي كل ماتراه خطأ‏,‏ صغيرا كان أو كبيرا‏.‏ فهناك بعض الأمور البسيطة التي لاتستحق العتاب‏,‏ بل تدخل تحت عنوان المحبة تحتمل كل شيء وقد قال الشاعر العربي في ذلك‏:‏
إذا كنت في كل الأمور معاتبا
صديقك لم تلق الذي لاتعاتبه
فعش واحدا أو صل أخاك فإنه
مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا علي القذي
ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه؟‏!‏
لذلك نصيحتي لك‏:‏ لاتخسر أصدقاءك عن طريق العتاب‏.‏ وهناك أمور تصدر من صديق ولاتعجبك ولكن خذها بحسن نية‏.‏ ولاتفكر في أن صديقك قد أراد أن يسيء إليك ربما كانت هفوة‏,‏ أو زلة لسان‏,‏ أو كلمة منه بأسلوب الفكاهة‏..‏ الخ‏.‏ نقلا عن الأهرام المصرية

انا سوداء و جميلة

كنت أظن أني سأكون قاسيًا وأنا أتناول هذا اللون، لكن وجدت أن الكتاب المقدس يحمل له جمالاً لاقُبحًا ( لا لأني أكتب هذه المرة من السودان، فصاحب الكتاب ليس عنده محاباة - رومية2: 11)· صحيح قد لا نرى في الطبيعة زهوراً سوداء، لكن نرى في الكتاب عروساً جميلة رغم أنها سوداء، ونرى عريسًا أبرع جمالاً قصصه مسترسلة حالكة كالغراب (أي سوداء)·
وهل ننسى قوة، ورقة شخص اسمه عبد ملك الكوشي (وكوش تعني أسود)، يوم أن أخرج النبي العجوز إرميا من الجُبّ والوحل؟ بل وهناك العديد، والمفيد، من الدروس ينطق بها هذا اللون؛ منها:
1- هو لون التميز والوضوح وعدم المواربة: عندما يحط غرابًا بين الطيور البيضاء لا شك أننا نراه بوضوح، فهو لا يتلون· وهكذا «أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس» (1يوحنا3: 10)· إن الرب يبغض الشخص غير الواضح، والذي يظهر بلونين وله رأيين· لذلك يقول لأنك «لست بارداً ولا حارًا··· أنا مزمع أن أتقيّأك من فمي» (رؤيا3: 15 ،16)· هؤلاءتجدهم يعرجون بين الفرقتين، في وسط المرنمين يرنمون، وفي حفلات أهل العالم يغنون ويرقصون، إنهم في المقدمة دائماً·· هؤلاء يقول لهم الرب: «اغتسلوا، تنقوا، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عينيَّ» (إشعياء1: 16)·
2- نرى فيه نعمة الله الغنية والمغيرة : تقول العروس في سفر نشيد الأنشاد: «أنا سوداء» (نشيد1: 5)، و هكذا نحن جميعاً بالاستقلال عن نعمة إلهنا المخلِّصة· فأمام الرب وفي محضره ينكشف الإنسان، ويدرك حقيقة ذاته، بذلك اعترف النبي في العهد القديم «ويل لي إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين» (إشعياء6: 5)· وهكذا أقرّ الرسول في العهد الجديد «اخرج من سفينتي يا رب لأني رجل خاطئ» (لوقا5: 8)· إن نعمة الله تحوِّل السوداء كخيام قيدار (معناه ذو الجلد الأسود، وهو احد أبناء إسماعيل) إلى شُقَق سليمان، وهل يوجد أجمل من البيت الذي بناه سليمان، الذي عندما رأته ملكة سَبَا لم تبق فيها روح بعد· (2أخبار9: 3،4)· وإن كانت شُقَق سليمان تعني حجاب الهيكل، الذي هو رمز بديع لناسوت ربنا يسوع المسيح، فنكون بحق أمام الجمال والكمال عينه· أما الذين يرفضون النعمة، فلا يبقى أمامهم سوى النقمة والضيق، بل وسوف يصرخون «جلودنا اسودت كتنور من جرى نيران الجوع» (مراثي5: 10)·
3- لون القوة والشباب وعدم التغير: إذا كان شعرك أسود اللون، فأنت من الشباب (وإليك نكتب)· وإذا ابيضّ شعرك فأنت من الشيوخ الذين نعتز كثيرًا بهم· أما حبيبنا فيُوصف بأن: «قصصه مسترسلة حالكة (سوداء)» (نشيد5: 11)، أي في نضارة وقوة الشباب، فهو ليس كإفرايم الذي «رُشّ عليه الشيب وهو لا يعرف» (هوشع7: 9)، بل هو: القديم الأيام، ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل (ميخا5: 2)، رآه يوحنا كالقاضي يمشي في وسط المناير الذهبية رأسه وشعره أبيضان (رؤيا1: 14)، لكن لا السنون ولا الدهور تؤثِّر على نضارته، «يسوع المسيح هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد» (عبرانيين13: 8)، بل «الأرض والسماوات··· تبيد، ولكن أنت تبقى، وكلها كثوب تبلى، وكرداء تطويها فتتغير؛ ولكن أنت أنت وسنوك لن تفنى» (عبرانيين1 : 10-12)· إنه «الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر» (رؤيا22: 13)·
4- المسيحية لكل العالم وليست عنصرية: المسيح لا يميّز بين أبيض أو أسود لأنه: «ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حُر، ليس ذكر ولا أنثى، لأنكم جميعًا واحدٌ في المسيح يسوع» (غلاطيه3: 28)· إن أول من ضُرب بالبرَص هي مريم أخت موسى لأنها تكلّمت على موسى بسبب المرأه الكوشية التي تزوجها· ولقد كان اليهود لا يعاملون السامريين، لذلك ضرب المسيح أروع مثل في محبته لهم فتكلم مع إمرأة سامرية (يوحنا4)، وشبّه نفسه بالسامري الرحيم (لوقا10)، وعندما اتهموه بأنه سامري وبه شيطان، أجاب أنه ليس به شيطانًا، و لم يقل أنه ليس سامريًا، لئلا يجرح السامريين·
5- إيمان نعم، تفاؤل وتشاؤم لا: لا نعتقد أن إيليا كان يتشاءم من الغراب، بل على العكس كان يستبشر به لأنه كان يحضر له خبزًا ولحمًا صباحًا ومساءً، بل إذا اسودَّت السماء جاء المطر(1ملوك 18: 45)· وإن نبَت شعر أسود في المكان المصاب بالبرص يحكم الكاهن بطهارة الأبرص (لاويين13: 37)· حتى أن «كوش تسرع بيديها إلى الله» (مزمور68: 31)· فالمسيحي لا يتفاءل ولا يتشاءم كالوثنيين، لا بالأرقام، ولا بالألوان، لأننا «بالإيمان نسلك لا بالعيان»، بل يشكر في كل الظروف وعلى كل شيء، وتسمعه ينشد ويقول: «نصيبي هو الرب قالت نفسي، من أجل ذلك أرجوه· طيب هو الرب للذين يترجونه، للنفس التي تطلبه» (مراثي3: 24 ،25)·
عزيزي القارئ الكريم: إننا نعيش في عالم مظلم، يشبَّه بشخص أعمى يحاول أن يمسك بقطة سوداء في غرفة مظلمة· وفي الظلام تتساوى جميع الألوان· لكن أليس قبس من نور؟ أم ليس هناك ضياء؟ بلى، فهاك المسيح النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان· لقد صرخ إليه بارتيماوس الأعمى فأَبصر، وكثيرون غيره أتوا إليه فأبصروا· فهل تأتي أنت أيضًا إليه؟ وأرجو أن لا تنسى هذه الحقيقة:
«وهذه هي الدينونة: أن النور قد جاء إلى العالم، وأحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة· لأن كل من يعمل السيّئات يبغض النور، ولا يأتي إلى النور لئلا توبَّخ أعماله· وأما من يفعل الحق فيُقبل إلى النور لكي تظهر أعماله أنها بالله معمولة» (يوحنا3: 19-21)·

الوداعة و دماثة الخُلق

من هو الانسان الوديع؟ وما صفاته وبناء شخصيته؟
** الانسان الوديع هو الشخص الطيب المسالم. وكثير من الناس يستخدمون صفة الطيب بدلاً من صفة الوديع. وهو عموماً إنسان هادئ بعيد عن العنف. هو هادئ فى طبعه. هادئ الأعصاب، وهادئ الألفاظ والملامح، وهادئ الحركات فالهدوء يشمل كله من الداخل والخارج. فهو هادئ فى قلبه ومشاعره، وهادئ أيضاً فى تعامله مع الآخرين، ويتصف بالحلم فهو حليم فى أخلاقه.
** وقد قيل عن السيد المسيح فى وداعته إنه "لا يخاصم ولا يصيح، ولا يسمع أحد فى الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ". فهكذا يكون الوديع بعيداً عن الصخب والضوضاء. لا يصيح. بل حينما يتكلم، يتصف كلامه بالهدوء واللطف، يختار الفاظه بكل دماثة وأدب. لا يجرح بها شعور انسان أياً كان. حتى إن كان ذلك الشخص مثل فتيلة مدحنة، لا يطفئها، فربما تمر عليها ريح فتشعلها.
** يعمل كل ذلك – لا عن ضعف – وإنما عن لطف
يذكرنى هذا الأمر بقصيدة كنت قد نظمتها منذ حوالى 56 عاماً فى يوم الأربعين لأستاذ وديع كنت أحبه، وقلت فيه:
يا قوياً ليس فى طبعه عنفُ ووديعـاً ليس فى ذاته ضعفُ
يا حكيماً أدّب الناس وفـى زجره حبّ وفى صوته عطفُ
لك أسـلوب نزيـه طاهر ولسـان أبيض الألفـاظ عَفّ
لـم تنل بالذمّ مخلوقاً ولم تذكر السوء اذا ما حلّ وصفُ
إنما بالحب والتشجيع قـد تصلح الأعوجَ، والأكدرُ يحنو
** الانسان الوديع يكون أيضاً بعيداً عن العنف وعن الغضب هو انسان هادئ لا يثور ولا يثار. لا يحتد ويغضب بسرعة ولا يبطء. ولا ينفعل الانفعالات الشديدة، ولا تغلبة النرفزة (العصبية)، لأنه هادئ باستمرار، يتصف بالطيبة والبشاشة. لا ينتقم لنفسه، ولا يحلّ مشاكله بالشدة. بل إن حدث وأساء اليه أحد، يقابل ذلك بالاحتمال والصبر.
** والإنسان الوديع لا يقيم نفسه رقيباً على الناس وتصرفاتهم. إنه لا يقيم نفسه قاضياً، ولا يتدخل فيما يفعله غيره. ولا يعطى نفسه سلطة مراقبة الآخرين والحكم على أعمالهم. وإن إضطرته الضرورة الى الحكم، لا يقسو فى أحكامه.
** وقد يغلبه الحياء، فلا يرفع بصره ليملأ عينيه من وجه انسان. إنه لا يفحص ملامح غيره ليحكم على مشاعره ماذا تكون، أو ما مدى صدق الغير فى كلامه.. وإن حورب بذلك يقول لنفسه: "أنا مالى، خلّينى فى حالى". هو بطبيعته الوديعة لا يميل الى فحص أعمال الناس..
وإن تدخّل فى الإصلاح، يُصلح بهدوء ووداعة ورقة
** والانسان الوديع يكون دائماً سهل التعامل مع الغير. يستطيع كل شخص أن يأخذ معه ويعطى... إنه سهلّ فى نقاشه وحواره. لا يحتد ولا يشتد. ولا يستاء من عبارة معينة يقولها من يحاوره. بل يشعر المتناقش معه براحة مهما كان معارضاً له. يعرف أنه سوف لا يغضب عليه، وسوف لا يحاسبه على كل لفظ مما يقوله.
** الانسان الوديع بشوش، لا يعبس فى وجه أحد. له ابتسامة حلوة محببة الى الناس، وملامح سمحه مريحة لكل من يتأملها. لا تسمح له طبيعته الهادئة أن يزجر أو يوبخ أو يحتد أو يشتد، أو أن يغير صوته فى زجر انسان.
** ومهما عومل، لا يتذمر ولا يتضجر ولا يشكو. بل غالباً ما يلتمس العذر لغيره، وفى ذهنه يبرر مسلكه، ولا يظن فيه سوءاً، وكأن شيئاً لم يحدث. فلا يتحدث عن إساءة الناس اليه، ولا يحزن بسبب ذلك فى قلبه. وإن حدث وتأثر بسبب ذلك أو غضب، سرعان ما يزول تأثره. ولا يمكن أن يتحول حزنه أو غضبه الى حقد، بل ما أسرع أن يصفو.
** إنه انسان بطئ الغضب. لا يغضب لأى سبب. أما اذا غضب الوديع، فلابد أن أمراً خطيراً قد دعاه الى ذلك. وغالباً ما يكون غضبه لأجل الخير ولأجل الغير، وليس لأجل نفسه أو بسبب كرامته أو حقوقه الشخصية... واذا غضب الوديع فإنه لا يثور ولا يفقد أعصابه، إنما يكون غضبه هو مجرد تعبير عن عدم موافقته وعدم رضاه عما يحدث. فهو عموماً أعصابه هادئة. واذا انفعل لا يشتعل.
** والانسان الوديع هو بطبيعته مسالم، لا ينتقم لنفسه. لا يقابل الشر بمثله، ولا يرد على السيئة بما يشبهها. إنما هو كثير الاحتمال. لا يدافع عن نفسه. بل غالباً ما يدافع عنه غيره، موبخين من يسئ اليه بقولهم "ألم تجد سوى هذا الانسان الطيب لكى تسئ اليه؟!". فالوديع لا يؤذى أحداً، ويحتمل أذى المخطئين..
** والوديع له سلام فى داخله، فلا ينزعج ولا يضطرب. فكل المشاكل الخارجية لا تستطيع أن تعكر صفوه الداخل. وكما قال أحد الآباء "سهل عليك أن تحرّك جبلاً من موضعه. وليس سهلاً أن تثير انساناً وديعاً".
والوديع لا يصطنع الهدوء. إنما كما خارجه، هكذا داخله أيضاً. إنه كصخرة أو جندل فى نهر، مهما صدمته الأمواج لا يتزعزع .
** والوديع بعيد عن المجادله والمحارنة. أو ما يسميه العامية (المقاومة فى الكلام). لأنه لا يجاهد لكى يقيم كلمته أو لكى ينتصر فى المناقشات. إنما هو يقول رأيه ويثبته، وليقبله من يشاء ومتى يشاء، دون أن يدخل فى صراع جدلى يفقده هدوءه..
** والوديع لا يوجد فى تفكيره خبث ولا دهاء ولا تعقيد... لا يقول شيئاً وفى نيته شئ آخر. بل الذى فى قلبه هو الذى على لسانه. وما يقوله لسانه إنما يعبر عن حقيقة ما فى قلبه، فليس عنده التواء، ولا يدبر خططاً فى الخفاء. بل هو انسان واضح، يتميز بالصراحة، يمكن لمن يتعامل معه أن يطمئن اليه تماماً. فهو شخص بسيط، لا حويط ولا غويط!.
** إنه يمر على الحياة، كما يمر النسيم الهادئ على سطح الماء.. فهو لا يُحدث فى الأرض عاصفة ولا زوبعة، ولا يُحدث فى البحر أمواجاً ولا دوامات. فهو لا يحب أن يحيا فى جو فيه زوابع ودوامات لأن كل ذلك لا يتفق مع طبعه، ولا مع هدوئه ولا لطفه، ولا مع أسلوبه فى الحياة. لذلك كل من يعاشر يلتذ بعشرته. فهو انسان طيّب لا يصطدم بأحد، ولا يزاحم غيره فى طريق الحياة. وإن صادف فى طريقه مشاكل، فإنه يمررها، ولا يدعها تمرره...
** وأخيراً هناك نوعان من الودعاء: أحدهما وُلد هكذا، والثانى اكتسب الوداعة بجهاد وتداريب وبعمل النعمة فيه...
** على أن فى حديثنا عن الوداعة، لا يفوتنا أن ننسى ما يعطلنا. فأحياناً تقف ضدها الإدارة والسلطة. فالبعض إذ يمارس الأمر والنهى، والتحقيق والمعاقبة، ويكون من واجبه مراقبة الآخرين وتصريف أمورهم، قد يفقد وداعته احياناً، ويرى فى الحزم والعزم والحسم ما يبرر له العنف فى بعض الأوقات. ولكن مغبوط هو الذى يحتفظ بوداعته فيما يمارس عمل السلطة... وهنا يبدو أن موضوعنا هذا يحتاج الى تكملة...

قساوة القلب

القساوة مكروهة من الجميع، إلا من القساة أنفسهم. وهى منفّرة، ولها نتائج سيئة عديدة. وهى ضد الرحمة والرأفة والرقة، وضد الوداعة والإتضاع...
?? ومن مظاهر القساوة : الكلمة القاسية، والنظرة القاسية، والمعاملة القاسية، والعقوبة القاسية، والتوبيخ القاسي، والعقاب القاسي، وغير ذلك. أي أن القلب القاسي يبسط قساوته على كل تصرفاته. وقد تكون قساوته على الجسد أوعلى النفس أو كليهما، وسنحاول في هذا المقال أن نطرق كل هذه الأمور، كما نبين أسباب القساوة ونتائجها.
?? غالباً ما تكون القسوة ناتجة من استبداد القوي بالضعيف، والعمل على قهره، في حين لايستطيع هذا المسكين أن يدافع عن نفسه، أو أن يقاوم بطش القوي! والعجيب أن هؤلاء القساة لا يوبخهم ضميرهم، بل إنهم يعتبرون بطشهم دليلاً على ما يتمتعون به من قدرة وقوة! أو أنه دليل على سلطانهم وسيطرتهم..
?? وقد تصدر القسوة في محيط الأسرة، من أبٍ يخطئ في فهم أسلوب التربية السليمة، ويظن أن الحزم في تربية أبنائه يعني القسوة عليهم لكي يتأدبوا!! وهكذا يضيّق عليهم في كل شئ، ولا يعطي لشخصياتهم فرصة للنمو، بل على العكس يجعلهم يعيشون في جو من الأوامر والنواهي، وفي لون من الحصر النفسي، مما يجعلهم يكرهون البيت الذي يعيش فيه هذا الأب العنيف القاسي، وقد يهربون من قسوته، ملتمسين صدراً حنوناً وحضناً دافئاً يحتويهم، وربما يقودهم ذلك إلى الضياع أو الضلال..
?? وربما تحدث هذه القسوة من زوج ضد زوجته، بإعتباره رب البيت، وله سلطان على الزوجة، فيهينها ولا يعاملها برفق، ولا يشفق عليها في أي تقصير مهما كان غير مقصود، أو ما يعتبره هو تقصير حسب وجهة نظره... وبهذا الوضع يختفي الحب من بيت الزوجية، وتحل محله السلطة والنفوذ. وقد تتهدد الحياة الزوجية بالتفكك، والزوج لا يبالي. وكل مايهمه أن يحتفظ بمركزه كرجل البيت القوي، الذي كل شئ في نطاق قوته وسلطانه!!
?? في بلاد الغرب -أمريكا مثلاً- إذا قسا الرجل على زوجته أو أولاده، أو إن ضرب أحداً منهم، بإمكانهم أن يطلبوا له البوليس تليفونياً، فيأتي ويقبض عليه ويبيت في الحبس، ويُحقق معه. وفي بلاد الشرق يمكن أن تلجأ الزوجة إلى القضاء وتطالب بالإنفصال عن زوجها لسوء معاملاته... غير أن كثيراًَ من النساء يقبلن القسوة من الزوج في صبر، بإعتباره أبو الأولاد، وعائل الأسرة، وسند البيت. ويعرف الزوج هذه الحقيقة ويستمر في قسوته!!
?? وأحياناً يقسو الأب على أولاده من زوجته الأولى بسبب من زوجته الحالية التي توغر صدره ضدهم، لأنها لا تحبهم. وقد تصدر القسوة منها مباشرة ضد هؤلاء الصغار. ولذلك يكره الأبناء زوجة الأب ويصفونها بالقسوة.
?? نفس الاستبداد بالضعفاء والقسوة عليهم، يحدث في مجال العمل، من مدير قاسٍ ضد موظفيه أو مرؤوسيه. وذلك بحكم سلطانه عليهم، وشعوره بالقدرة على التدخل في مصائرهم. وما أسهل أن يكتب تقارير شديدة ضد بعضهم تسئ إليه، وتُستغل بتهديده بالخصم من مرتبه، بل والفصل من وظيفته. ولهذا مايشكو هؤلاء الموظفون من رئيسهم القاسي، أو يتملقونه في جبن حرصاً منهم على بقاء مصدر رزقهم! وخوفاً من هذا الإذلال الذي يقاسونه من هذا القاسي، فيهبط مستوى نفسياتهم..
?? الرجل النبيل أو الروحاني، يحاول باستمرار أن يُخضع نفسه بتداريب من ضبط النفس وبخاصة في حالة الغضب. أما الشخص القاسي فهدفه أن يُخضع غيره له، اعتزازاً منه بقوته، غير مبالٍ بالمثاليات. ومسكين من يقع في يده. لهذا صدق داود النبي حينما قال "أقع في يد الله، لأن مراحمه واسعة، ولا أقع في يد إنسان"...
?? القسوة تحدث أحياناً في مجال العقوبة، حيما تكون فوق الإحتمال، وبعدم النظر إلى ظروف المخطئ. وما أكثر ما يحدث بطريق غير مباشر، أن تُصيب العقوبة أسرة المخطئ أيضاً. لأنه هو عائل الأسرة. ومعروف المثل "أضرب الراعي، فتتشتت الرعية". لذلك يحسُن أن ينظر المجتمع في معاقبة المخطئين إلى الحالة الاجتماعية وليس إلى مجرد الفرد!
?? القسوة كذلك تأخذ مجالها في "أجور العاملين". فالرجل الثري الذي يملك المصانع والشركات والمشروعات، وكذلك الغني الذي يحتكر السوق، إذا حدث من هذا أو ذاك أنه أعطى العاملين تحت يده أجوراً زهيدة لا تكفي معيشتهم مع غلو الأسعار، فهذه بلا شك قسوة منه، وعدم مبالاة بحاجة الآخرين وعوزهم. هؤلاء مذلتهم تصرخ إلى الله، ويصرخ معها كل المهمّشين في المجتمع الذين لا يجدون رزقاً ولا وظيفة..
?? إن إذلال الناس قسوة لا يرضاها الله "ومن يسمع صراخ المسكين ولايستجيب، فأنه يصرخ أحياناً إلى الله ولا يُستجاب". لأنه بالكيل الذي يكيل به للغير، يُكال له أيضاً. فليلتفت القساة إلى أنفسهم، لئلا يأتي الوقت الذي فيه يجازيهم الله حسب أعمالهم.
?? متى يلين إذاً قلب القاسي ويتخلص من قسوته؟ ومتى يرحم غيره لكي يعامله الله بالرحمة؟ متى يعرف أن الفترة التي يمارس فيها القسوة على الأرض هى فترة محدودة إذا ما قيست بالأبدية غير المحدودة. وفي تبدُّل يشعر بالآم غيره.
?? حسن أن يعيش الإنسان سعيداً ولكن إن أسعد غيره، فأنه يشعر بسعادة أكثر. فإن كانت في يده سلطة أو ثروة، ليته يستطيع أن يسعد بها الآخرين، فيدعون له أن يبقيه الله وينميه، ويطرح الخير كل الخير فيه..
?? وإن كانت القسوة سببها السلطة أو محبة السيطرة فإن السلطة لا تدوم، إنما هى اختبار للإنسان كيف يستخدمها؟ هل لإستعباد غيره، أو لاثبات عظمته هو وقدرته على اخضاع الغير؟! حقاً إن في القسوة لوناً من الكبرياء يجب أن يتخلص منه القلب النبيل الحريص على أبديته. كذلك فإن القلب الحساس الذي يشعر بآلام الغير ويشفق عليهم، لا يمكن أن يكون قاسياً في يوم ما، ضد أي أحد.
 

Hit Counter
Dating Site