الاثنين، 1 فبراير 2010

نصــائـح فى المصـارحـة والعتـاب

كنت أعرفه شخصا حقانيا يحب الحق ويدافع عنه‏.‏ وقد جاء في ذات يوم يطلب مشورتي‏,‏ فقال لي‏:‏ أنا إنسان صريح أحب الصراحة‏.‏ ولاأقبل أن أكون بوجهين‏:‏ أجامل الغير بأحد الوجهين‏,‏ بينما أكون متضايقا من أخطائه‏.‏ لذلك أتكلم مع كل أحد بصراحة‏.‏ غير أن هذه الصراحة تسبب لي مشاكل مع من أصارحهم برأيي فيهم‏,‏ أو من أعاتبهم في تصرفاتهم معي‏.‏ فهم يتعبون ويسببون لي متاعب‏...‏ فماذا أفعل؟ هل من الحرام أن أتكلم بصراحة‏,‏ سواء في الرأي أو العتاب؟‏!‏
فأجبته‏:‏ الصراحة ليست حراما‏.‏ ولكن المهم مع من تكون صراحتك؟ وكيف تكون؟ أي ما هو الأسلوب الذي تتكلم به أثناء صراحتك مع غيرك؟ وهل هو اسلوب لائق أم غير لائق؟ هل هو أسلوب جارح أو قاس؟ وهل يحمل اتهاما ظالما ربما بسبب معلومات وصلت إليك وهي غير سليمة؟ وهل أنت في صراحتك تتدخل فيما لايعنيك‏,‏ وتتجرأ علي ماهو ليس من اختصاصك؟ كذلك ينبغي أن تعرف الأسلوب الذي تتكلم به في صراحة مع شخص أكبر منك سنا أو مقاما أو مركزا‏.‏ فلاشك أن الصراحة معه تختلف عن صراحتك مع شخص في مستواك‏,‏ في نفس سنك ومركزك‏.‏ وتختلف عن صراحتك مع صديق لك توجد بينك وبينه دالة تسمح بأن تستخدم معه الفاظا لاتستطيع أن تستخدمها مع شخص كبير‏:‏ فمثلا تستطيع أن تقول لصديقك أنت غلطان في هذا الأمر‏.‏ بينما لاتستطيع أن تقول لأبيك أو عمك‏,‏ أو لأي شخص له مهابة في نظرك‏. ‏ والصراحة أيضا تحتاج إلي مراعاة أدب المخاطبة‏.‏ يلزمك في ذلك أن تكون حريصا علي انتقاء الألفاظ‏,‏ بحيث تستخدم ألفاظا تصل بها إلي هدفك‏,‏ دون أن تهين من تكلمه أو تجرحه أو تسيء إليه‏,‏ فكل ذلك غير لائق‏.‏ نقول هذا‏,‏ لأن هناك أشخاصا يستخدمون في صراحتهم ألفاظا تعكر الجو وتلهب الموقف‏.‏ ويحاولون أن يخفوا خطأهم هذا تحت اسم الصراحة‏!‏ ويكونون مدانين‏,‏ ليس بسبب صراحتهم‏,‏ وإنما لعدم حرصهم علي أدب التخاطب في الصراحة‏,‏ أو بسبب عدم اللياقة‏.‏ كذلك ينبغي أن تكون الصراحة في حكمة‏,‏ حسب هدف روحي سليم‏,‏ فما هو الهدف من صراحتك؟ هل هو التوبيخ والإهانة ومجرد النقد؟ أم الهدف هو تبليغ رسالة معينة؟ أم الهدف هو العتاب والتصالح؟ أم هدف آخر؟ فإن كان الهدف سليما‏,‏ ينبغي أن تكون الوسيلة الموصلة أيضا هي سليمة‏,‏ وتأتي بنتيجة طيبة‏.‏ لأن مجرد التوبيخ في الصراحة قد يأتي بنتائج سيئة‏.‏
مثال ذلك شخص يقول‏:‏ أنا صريح أقول للأعور إنه أعور في عينه‏.‏ فهل ياأخي إن قلت للأعور هذه العبارة‏,‏ تكون قد خسرته أم ربحته؟ وهل لو عايرته بعبارة أنت أعور‏,‏ تكون صراحتك هذه سببا في إرجاع البصر إلي عينه العوراء؟‏!‏ أم هي صراحة لمجرد التجريح والإهانة والإيذاء‏,‏ بلا أية فائدة تجلبها منها‏!!‏ مثل هذا الإنسان‏(‏ الصريح‏)‏ يري في الصراحة إثباتا لجرأته وشجاعته‏!‏ فلو كان السبب منها مجرد إثبات الذات‏,‏ لاتكون فضيلة‏.‏ بل الصراحة السليمة هي التي هدفها الدفاع عن الحق‏,‏ دون أن تكون للذات هدف منها‏,‏ ثم أمامنا سؤال مهم وهو‏:‏ هل لك سلطان التأديب أو التقويم أو الحكم علي الغير؟
إذن إن تكلمت بصراحة مع إنسان أكبر منك‏,‏ فاخلط صراحتك بالأدب والحكمة‏.‏ وإن كنت صريحا مع من هو أصغر منك‏,‏ فلتكن صراحتك ممزوجة بالرقة والهدوء‏.‏
ولاشك أن هناك فرقا بين الصراحة وسلاطة اللسان‏!‏ وإن كانت الصراحة دفاعا عن الحق‏,‏ فاعلم أنه ليس من الحق‏,‏ أن تستخدم أسلوبا جارحا لتقنع غيرك بما تراه أنت حقا بل إن احترامنا للناس يجعلهم أكثر قبولا لما نقوله لهم‏,‏ وهم يقبلون الصراحة التي في أدب وحكمة‏.‏
أعود إلي الجزء الثاني من سؤالك وهو عن عتابك مع صديق أخطأ إليك‏.‏ من حقك طبعا أن تعاتب بالأسلوب الذي يأتي بنتيجة طيبة‏.‏ وأيضا للعتاب قواعد‏.‏ أولا‏:‏ اعرف طبيعة صديقك‏:‏ هل من النوع الذي يقبل العتاب أم هو لايقبله؟ ذلك لأن هناك من تعاتبه فيثور ويحاول أن يبرر نفسه‏,‏ ويكثر الجدل‏,‏ ويعتبر أنك تتهمه وتظلمه‏.‏ وينتهي العتاب بنتيجة أسوأ‏.‏ وصدق الشاعر الذي قال‏:‏ودع العتاب فرب شر‏..‏ كان أوله العتابا أما الصديق الواسع الصدر‏,‏ المحب‏,‏ الذي يقبل العتاب بصدر رحب‏,‏ وبموضوعية دون أن يغضب وينفعل‏,‏ فهذا يمكنك أن تعاتبه وتصفي الموقف معه‏..‏ ثانيا‏:‏ الذي تعاتبه‏,‏ عاتبه فيما بينك وبينه وحدكما‏,‏ وليس أمام الناس‏.‏ وذلك لأن البعض لا يقبل العتاب أمام الغير الذي تحدثه فيه عن أخطائه نحوك أمام الآخرين‏,‏ فيظهر بذلك في صورة تقلل من شأنه أمامهم‏.‏ ولذلك يري أنه لابد أن يدافع عن ذاته مبررا نفسه ـ وربما ـ مظهرا خطأك أنت‏.‏
ثالثا‏:‏ يجب أن يكون أسلوب عتابك رقيقا ومقبولا وفي محبة‏.‏ بحيث يبدأ أولا بذكر محاسن صديقك وفضائله ومواقفه الطيبة معك‏..‏ قبل أن تذكر الأخطاء التي تريد أن تعاتبه عليها‏.‏ وبهذا تكون قد فرشت مقدمة من الود تجعله مستعدا أن يقبل ماتقوله بعد ذلك‏.‏ واحذر أن تعاتب بعنف‏,‏ وبألفاظ شديدة أو أن تكون كمن يريد أن ينتقم لنفسه أثناء العتاب الذي تحط فيه من قدر صديقك‏.‏ فهذا لايقبله منك‏,‏ وربما يرد عليه بالمثل ويشتعل الموقف‏.‏ رابعا‏:‏ كن واسع الصدر‏,‏ ولاتعاتب علي كل ماتراه خطأ‏,‏ صغيرا كان أو كبيرا‏.‏ فهناك بعض الأمور البسيطة التي لاتستحق العتاب‏,‏ بل تدخل تحت عنوان المحبة تحتمل كل شيء وقد قال الشاعر العربي في ذلك‏:‏
إذا كنت في كل الأمور معاتبا
صديقك لم تلق الذي لاتعاتبه
فعش واحدا أو صل أخاك فإنه
مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا علي القذي
ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه؟‏!‏
لذلك نصيحتي لك‏:‏ لاتخسر أصدقاءك عن طريق العتاب‏.‏ وهناك أمور تصدر من صديق ولاتعجبك ولكن خذها بحسن نية‏.‏ ولاتفكر في أن صديقك قد أراد أن يسيء إليك ربما كانت هفوة‏,‏ أو زلة لسان‏,‏ أو كلمة منه بأسلوب الفكاهة‏..‏ الخ‏.‏ نقلا عن الأهرام المصرية

انا سوداء و جميلة

كنت أظن أني سأكون قاسيًا وأنا أتناول هذا اللون، لكن وجدت أن الكتاب المقدس يحمل له جمالاً لاقُبحًا ( لا لأني أكتب هذه المرة من السودان، فصاحب الكتاب ليس عنده محاباة - رومية2: 11)· صحيح قد لا نرى في الطبيعة زهوراً سوداء، لكن نرى في الكتاب عروساً جميلة رغم أنها سوداء، ونرى عريسًا أبرع جمالاً قصصه مسترسلة حالكة كالغراب (أي سوداء)·
وهل ننسى قوة، ورقة شخص اسمه عبد ملك الكوشي (وكوش تعني أسود)، يوم أن أخرج النبي العجوز إرميا من الجُبّ والوحل؟ بل وهناك العديد، والمفيد، من الدروس ينطق بها هذا اللون؛ منها:
1- هو لون التميز والوضوح وعدم المواربة: عندما يحط غرابًا بين الطيور البيضاء لا شك أننا نراه بوضوح، فهو لا يتلون· وهكذا «أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس» (1يوحنا3: 10)· إن الرب يبغض الشخص غير الواضح، والذي يظهر بلونين وله رأيين· لذلك يقول لأنك «لست بارداً ولا حارًا··· أنا مزمع أن أتقيّأك من فمي» (رؤيا3: 15 ،16)· هؤلاءتجدهم يعرجون بين الفرقتين، في وسط المرنمين يرنمون، وفي حفلات أهل العالم يغنون ويرقصون، إنهم في المقدمة دائماً·· هؤلاء يقول لهم الرب: «اغتسلوا، تنقوا، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عينيَّ» (إشعياء1: 16)·
2- نرى فيه نعمة الله الغنية والمغيرة : تقول العروس في سفر نشيد الأنشاد: «أنا سوداء» (نشيد1: 5)، و هكذا نحن جميعاً بالاستقلال عن نعمة إلهنا المخلِّصة· فأمام الرب وفي محضره ينكشف الإنسان، ويدرك حقيقة ذاته، بذلك اعترف النبي في العهد القديم «ويل لي إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين» (إشعياء6: 5)· وهكذا أقرّ الرسول في العهد الجديد «اخرج من سفينتي يا رب لأني رجل خاطئ» (لوقا5: 8)· إن نعمة الله تحوِّل السوداء كخيام قيدار (معناه ذو الجلد الأسود، وهو احد أبناء إسماعيل) إلى شُقَق سليمان، وهل يوجد أجمل من البيت الذي بناه سليمان، الذي عندما رأته ملكة سَبَا لم تبق فيها روح بعد· (2أخبار9: 3،4)· وإن كانت شُقَق سليمان تعني حجاب الهيكل، الذي هو رمز بديع لناسوت ربنا يسوع المسيح، فنكون بحق أمام الجمال والكمال عينه· أما الذين يرفضون النعمة، فلا يبقى أمامهم سوى النقمة والضيق، بل وسوف يصرخون «جلودنا اسودت كتنور من جرى نيران الجوع» (مراثي5: 10)·
3- لون القوة والشباب وعدم التغير: إذا كان شعرك أسود اللون، فأنت من الشباب (وإليك نكتب)· وإذا ابيضّ شعرك فأنت من الشيوخ الذين نعتز كثيرًا بهم· أما حبيبنا فيُوصف بأن: «قصصه مسترسلة حالكة (سوداء)» (نشيد5: 11)، أي في نضارة وقوة الشباب، فهو ليس كإفرايم الذي «رُشّ عليه الشيب وهو لا يعرف» (هوشع7: 9)، بل هو: القديم الأيام، ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل (ميخا5: 2)، رآه يوحنا كالقاضي يمشي في وسط المناير الذهبية رأسه وشعره أبيضان (رؤيا1: 14)، لكن لا السنون ولا الدهور تؤثِّر على نضارته، «يسوع المسيح هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد» (عبرانيين13: 8)، بل «الأرض والسماوات··· تبيد، ولكن أنت تبقى، وكلها كثوب تبلى، وكرداء تطويها فتتغير؛ ولكن أنت أنت وسنوك لن تفنى» (عبرانيين1 : 10-12)· إنه «الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر» (رؤيا22: 13)·
4- المسيحية لكل العالم وليست عنصرية: المسيح لا يميّز بين أبيض أو أسود لأنه: «ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حُر، ليس ذكر ولا أنثى، لأنكم جميعًا واحدٌ في المسيح يسوع» (غلاطيه3: 28)· إن أول من ضُرب بالبرَص هي مريم أخت موسى لأنها تكلّمت على موسى بسبب المرأه الكوشية التي تزوجها· ولقد كان اليهود لا يعاملون السامريين، لذلك ضرب المسيح أروع مثل في محبته لهم فتكلم مع إمرأة سامرية (يوحنا4)، وشبّه نفسه بالسامري الرحيم (لوقا10)، وعندما اتهموه بأنه سامري وبه شيطان، أجاب أنه ليس به شيطانًا، و لم يقل أنه ليس سامريًا، لئلا يجرح السامريين·
5- إيمان نعم، تفاؤل وتشاؤم لا: لا نعتقد أن إيليا كان يتشاءم من الغراب، بل على العكس كان يستبشر به لأنه كان يحضر له خبزًا ولحمًا صباحًا ومساءً، بل إذا اسودَّت السماء جاء المطر(1ملوك 18: 45)· وإن نبَت شعر أسود في المكان المصاب بالبرص يحكم الكاهن بطهارة الأبرص (لاويين13: 37)· حتى أن «كوش تسرع بيديها إلى الله» (مزمور68: 31)· فالمسيحي لا يتفاءل ولا يتشاءم كالوثنيين، لا بالأرقام، ولا بالألوان، لأننا «بالإيمان نسلك لا بالعيان»، بل يشكر في كل الظروف وعلى كل شيء، وتسمعه ينشد ويقول: «نصيبي هو الرب قالت نفسي، من أجل ذلك أرجوه· طيب هو الرب للذين يترجونه، للنفس التي تطلبه» (مراثي3: 24 ،25)·
عزيزي القارئ الكريم: إننا نعيش في عالم مظلم، يشبَّه بشخص أعمى يحاول أن يمسك بقطة سوداء في غرفة مظلمة· وفي الظلام تتساوى جميع الألوان· لكن أليس قبس من نور؟ أم ليس هناك ضياء؟ بلى، فهاك المسيح النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان· لقد صرخ إليه بارتيماوس الأعمى فأَبصر، وكثيرون غيره أتوا إليه فأبصروا· فهل تأتي أنت أيضًا إليه؟ وأرجو أن لا تنسى هذه الحقيقة:
«وهذه هي الدينونة: أن النور قد جاء إلى العالم، وأحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة· لأن كل من يعمل السيّئات يبغض النور، ولا يأتي إلى النور لئلا توبَّخ أعماله· وأما من يفعل الحق فيُقبل إلى النور لكي تظهر أعماله أنها بالله معمولة» (يوحنا3: 19-21)·

الوداعة و دماثة الخُلق

من هو الانسان الوديع؟ وما صفاته وبناء شخصيته؟
** الانسان الوديع هو الشخص الطيب المسالم. وكثير من الناس يستخدمون صفة الطيب بدلاً من صفة الوديع. وهو عموماً إنسان هادئ بعيد عن العنف. هو هادئ فى طبعه. هادئ الأعصاب، وهادئ الألفاظ والملامح، وهادئ الحركات فالهدوء يشمل كله من الداخل والخارج. فهو هادئ فى قلبه ومشاعره، وهادئ أيضاً فى تعامله مع الآخرين، ويتصف بالحلم فهو حليم فى أخلاقه.
** وقد قيل عن السيد المسيح فى وداعته إنه "لا يخاصم ولا يصيح، ولا يسمع أحد فى الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ". فهكذا يكون الوديع بعيداً عن الصخب والضوضاء. لا يصيح. بل حينما يتكلم، يتصف كلامه بالهدوء واللطف، يختار الفاظه بكل دماثة وأدب. لا يجرح بها شعور انسان أياً كان. حتى إن كان ذلك الشخص مثل فتيلة مدحنة، لا يطفئها، فربما تمر عليها ريح فتشعلها.
** يعمل كل ذلك – لا عن ضعف – وإنما عن لطف
يذكرنى هذا الأمر بقصيدة كنت قد نظمتها منذ حوالى 56 عاماً فى يوم الأربعين لأستاذ وديع كنت أحبه، وقلت فيه:
يا قوياً ليس فى طبعه عنفُ ووديعـاً ليس فى ذاته ضعفُ
يا حكيماً أدّب الناس وفـى زجره حبّ وفى صوته عطفُ
لك أسـلوب نزيـه طاهر ولسـان أبيض الألفـاظ عَفّ
لـم تنل بالذمّ مخلوقاً ولم تذكر السوء اذا ما حلّ وصفُ
إنما بالحب والتشجيع قـد تصلح الأعوجَ، والأكدرُ يحنو
** الانسان الوديع يكون أيضاً بعيداً عن العنف وعن الغضب هو انسان هادئ لا يثور ولا يثار. لا يحتد ويغضب بسرعة ولا يبطء. ولا ينفعل الانفعالات الشديدة، ولا تغلبة النرفزة (العصبية)، لأنه هادئ باستمرار، يتصف بالطيبة والبشاشة. لا ينتقم لنفسه، ولا يحلّ مشاكله بالشدة. بل إن حدث وأساء اليه أحد، يقابل ذلك بالاحتمال والصبر.
** والإنسان الوديع لا يقيم نفسه رقيباً على الناس وتصرفاتهم. إنه لا يقيم نفسه قاضياً، ولا يتدخل فيما يفعله غيره. ولا يعطى نفسه سلطة مراقبة الآخرين والحكم على أعمالهم. وإن إضطرته الضرورة الى الحكم، لا يقسو فى أحكامه.
** وقد يغلبه الحياء، فلا يرفع بصره ليملأ عينيه من وجه انسان. إنه لا يفحص ملامح غيره ليحكم على مشاعره ماذا تكون، أو ما مدى صدق الغير فى كلامه.. وإن حورب بذلك يقول لنفسه: "أنا مالى، خلّينى فى حالى". هو بطبيعته الوديعة لا يميل الى فحص أعمال الناس..
وإن تدخّل فى الإصلاح، يُصلح بهدوء ووداعة ورقة
** والانسان الوديع يكون دائماً سهل التعامل مع الغير. يستطيع كل شخص أن يأخذ معه ويعطى... إنه سهلّ فى نقاشه وحواره. لا يحتد ولا يشتد. ولا يستاء من عبارة معينة يقولها من يحاوره. بل يشعر المتناقش معه براحة مهما كان معارضاً له. يعرف أنه سوف لا يغضب عليه، وسوف لا يحاسبه على كل لفظ مما يقوله.
** الانسان الوديع بشوش، لا يعبس فى وجه أحد. له ابتسامة حلوة محببة الى الناس، وملامح سمحه مريحة لكل من يتأملها. لا تسمح له طبيعته الهادئة أن يزجر أو يوبخ أو يحتد أو يشتد، أو أن يغير صوته فى زجر انسان.
** ومهما عومل، لا يتذمر ولا يتضجر ولا يشكو. بل غالباً ما يلتمس العذر لغيره، وفى ذهنه يبرر مسلكه، ولا يظن فيه سوءاً، وكأن شيئاً لم يحدث. فلا يتحدث عن إساءة الناس اليه، ولا يحزن بسبب ذلك فى قلبه. وإن حدث وتأثر بسبب ذلك أو غضب، سرعان ما يزول تأثره. ولا يمكن أن يتحول حزنه أو غضبه الى حقد، بل ما أسرع أن يصفو.
** إنه انسان بطئ الغضب. لا يغضب لأى سبب. أما اذا غضب الوديع، فلابد أن أمراً خطيراً قد دعاه الى ذلك. وغالباً ما يكون غضبه لأجل الخير ولأجل الغير، وليس لأجل نفسه أو بسبب كرامته أو حقوقه الشخصية... واذا غضب الوديع فإنه لا يثور ولا يفقد أعصابه، إنما يكون غضبه هو مجرد تعبير عن عدم موافقته وعدم رضاه عما يحدث. فهو عموماً أعصابه هادئة. واذا انفعل لا يشتعل.
** والانسان الوديع هو بطبيعته مسالم، لا ينتقم لنفسه. لا يقابل الشر بمثله، ولا يرد على السيئة بما يشبهها. إنما هو كثير الاحتمال. لا يدافع عن نفسه. بل غالباً ما يدافع عنه غيره، موبخين من يسئ اليه بقولهم "ألم تجد سوى هذا الانسان الطيب لكى تسئ اليه؟!". فالوديع لا يؤذى أحداً، ويحتمل أذى المخطئين..
** والوديع له سلام فى داخله، فلا ينزعج ولا يضطرب. فكل المشاكل الخارجية لا تستطيع أن تعكر صفوه الداخل. وكما قال أحد الآباء "سهل عليك أن تحرّك جبلاً من موضعه. وليس سهلاً أن تثير انساناً وديعاً".
والوديع لا يصطنع الهدوء. إنما كما خارجه، هكذا داخله أيضاً. إنه كصخرة أو جندل فى نهر، مهما صدمته الأمواج لا يتزعزع .
** والوديع بعيد عن المجادله والمحارنة. أو ما يسميه العامية (المقاومة فى الكلام). لأنه لا يجاهد لكى يقيم كلمته أو لكى ينتصر فى المناقشات. إنما هو يقول رأيه ويثبته، وليقبله من يشاء ومتى يشاء، دون أن يدخل فى صراع جدلى يفقده هدوءه..
** والوديع لا يوجد فى تفكيره خبث ولا دهاء ولا تعقيد... لا يقول شيئاً وفى نيته شئ آخر. بل الذى فى قلبه هو الذى على لسانه. وما يقوله لسانه إنما يعبر عن حقيقة ما فى قلبه، فليس عنده التواء، ولا يدبر خططاً فى الخفاء. بل هو انسان واضح، يتميز بالصراحة، يمكن لمن يتعامل معه أن يطمئن اليه تماماً. فهو شخص بسيط، لا حويط ولا غويط!.
** إنه يمر على الحياة، كما يمر النسيم الهادئ على سطح الماء.. فهو لا يُحدث فى الأرض عاصفة ولا زوبعة، ولا يُحدث فى البحر أمواجاً ولا دوامات. فهو لا يحب أن يحيا فى جو فيه زوابع ودوامات لأن كل ذلك لا يتفق مع طبعه، ولا مع هدوئه ولا لطفه، ولا مع أسلوبه فى الحياة. لذلك كل من يعاشر يلتذ بعشرته. فهو انسان طيّب لا يصطدم بأحد، ولا يزاحم غيره فى طريق الحياة. وإن صادف فى طريقه مشاكل، فإنه يمررها، ولا يدعها تمرره...
** وأخيراً هناك نوعان من الودعاء: أحدهما وُلد هكذا، والثانى اكتسب الوداعة بجهاد وتداريب وبعمل النعمة فيه...
** على أن فى حديثنا عن الوداعة، لا يفوتنا أن ننسى ما يعطلنا. فأحياناً تقف ضدها الإدارة والسلطة. فالبعض إذ يمارس الأمر والنهى، والتحقيق والمعاقبة، ويكون من واجبه مراقبة الآخرين وتصريف أمورهم، قد يفقد وداعته احياناً، ويرى فى الحزم والعزم والحسم ما يبرر له العنف فى بعض الأوقات. ولكن مغبوط هو الذى يحتفظ بوداعته فيما يمارس عمل السلطة... وهنا يبدو أن موضوعنا هذا يحتاج الى تكملة...

قساوة القلب

القساوة مكروهة من الجميع، إلا من القساة أنفسهم. وهى منفّرة، ولها نتائج سيئة عديدة. وهى ضد الرحمة والرأفة والرقة، وضد الوداعة والإتضاع...
?? ومن مظاهر القساوة : الكلمة القاسية، والنظرة القاسية، والمعاملة القاسية، والعقوبة القاسية، والتوبيخ القاسي، والعقاب القاسي، وغير ذلك. أي أن القلب القاسي يبسط قساوته على كل تصرفاته. وقد تكون قساوته على الجسد أوعلى النفس أو كليهما، وسنحاول في هذا المقال أن نطرق كل هذه الأمور، كما نبين أسباب القساوة ونتائجها.
?? غالباً ما تكون القسوة ناتجة من استبداد القوي بالضعيف، والعمل على قهره، في حين لايستطيع هذا المسكين أن يدافع عن نفسه، أو أن يقاوم بطش القوي! والعجيب أن هؤلاء القساة لا يوبخهم ضميرهم، بل إنهم يعتبرون بطشهم دليلاً على ما يتمتعون به من قدرة وقوة! أو أنه دليل على سلطانهم وسيطرتهم..
?? وقد تصدر القسوة في محيط الأسرة، من أبٍ يخطئ في فهم أسلوب التربية السليمة، ويظن أن الحزم في تربية أبنائه يعني القسوة عليهم لكي يتأدبوا!! وهكذا يضيّق عليهم في كل شئ، ولا يعطي لشخصياتهم فرصة للنمو، بل على العكس يجعلهم يعيشون في جو من الأوامر والنواهي، وفي لون من الحصر النفسي، مما يجعلهم يكرهون البيت الذي يعيش فيه هذا الأب العنيف القاسي، وقد يهربون من قسوته، ملتمسين صدراً حنوناً وحضناً دافئاً يحتويهم، وربما يقودهم ذلك إلى الضياع أو الضلال..
?? وربما تحدث هذه القسوة من زوج ضد زوجته، بإعتباره رب البيت، وله سلطان على الزوجة، فيهينها ولا يعاملها برفق، ولا يشفق عليها في أي تقصير مهما كان غير مقصود، أو ما يعتبره هو تقصير حسب وجهة نظره... وبهذا الوضع يختفي الحب من بيت الزوجية، وتحل محله السلطة والنفوذ. وقد تتهدد الحياة الزوجية بالتفكك، والزوج لا يبالي. وكل مايهمه أن يحتفظ بمركزه كرجل البيت القوي، الذي كل شئ في نطاق قوته وسلطانه!!
?? في بلاد الغرب -أمريكا مثلاً- إذا قسا الرجل على زوجته أو أولاده، أو إن ضرب أحداً منهم، بإمكانهم أن يطلبوا له البوليس تليفونياً، فيأتي ويقبض عليه ويبيت في الحبس، ويُحقق معه. وفي بلاد الشرق يمكن أن تلجأ الزوجة إلى القضاء وتطالب بالإنفصال عن زوجها لسوء معاملاته... غير أن كثيراًَ من النساء يقبلن القسوة من الزوج في صبر، بإعتباره أبو الأولاد، وعائل الأسرة، وسند البيت. ويعرف الزوج هذه الحقيقة ويستمر في قسوته!!
?? وأحياناً يقسو الأب على أولاده من زوجته الأولى بسبب من زوجته الحالية التي توغر صدره ضدهم، لأنها لا تحبهم. وقد تصدر القسوة منها مباشرة ضد هؤلاء الصغار. ولذلك يكره الأبناء زوجة الأب ويصفونها بالقسوة.
?? نفس الاستبداد بالضعفاء والقسوة عليهم، يحدث في مجال العمل، من مدير قاسٍ ضد موظفيه أو مرؤوسيه. وذلك بحكم سلطانه عليهم، وشعوره بالقدرة على التدخل في مصائرهم. وما أسهل أن يكتب تقارير شديدة ضد بعضهم تسئ إليه، وتُستغل بتهديده بالخصم من مرتبه، بل والفصل من وظيفته. ولهذا مايشكو هؤلاء الموظفون من رئيسهم القاسي، أو يتملقونه في جبن حرصاً منهم على بقاء مصدر رزقهم! وخوفاً من هذا الإذلال الذي يقاسونه من هذا القاسي، فيهبط مستوى نفسياتهم..
?? الرجل النبيل أو الروحاني، يحاول باستمرار أن يُخضع نفسه بتداريب من ضبط النفس وبخاصة في حالة الغضب. أما الشخص القاسي فهدفه أن يُخضع غيره له، اعتزازاً منه بقوته، غير مبالٍ بالمثاليات. ومسكين من يقع في يده. لهذا صدق داود النبي حينما قال "أقع في يد الله، لأن مراحمه واسعة، ولا أقع في يد إنسان"...
?? القسوة تحدث أحياناً في مجال العقوبة، حيما تكون فوق الإحتمال، وبعدم النظر إلى ظروف المخطئ. وما أكثر ما يحدث بطريق غير مباشر، أن تُصيب العقوبة أسرة المخطئ أيضاً. لأنه هو عائل الأسرة. ومعروف المثل "أضرب الراعي، فتتشتت الرعية". لذلك يحسُن أن ينظر المجتمع في معاقبة المخطئين إلى الحالة الاجتماعية وليس إلى مجرد الفرد!
?? القسوة كذلك تأخذ مجالها في "أجور العاملين". فالرجل الثري الذي يملك المصانع والشركات والمشروعات، وكذلك الغني الذي يحتكر السوق، إذا حدث من هذا أو ذاك أنه أعطى العاملين تحت يده أجوراً زهيدة لا تكفي معيشتهم مع غلو الأسعار، فهذه بلا شك قسوة منه، وعدم مبالاة بحاجة الآخرين وعوزهم. هؤلاء مذلتهم تصرخ إلى الله، ويصرخ معها كل المهمّشين في المجتمع الذين لا يجدون رزقاً ولا وظيفة..
?? إن إذلال الناس قسوة لا يرضاها الله "ومن يسمع صراخ المسكين ولايستجيب، فأنه يصرخ أحياناً إلى الله ولا يُستجاب". لأنه بالكيل الذي يكيل به للغير، يُكال له أيضاً. فليلتفت القساة إلى أنفسهم، لئلا يأتي الوقت الذي فيه يجازيهم الله حسب أعمالهم.
?? متى يلين إذاً قلب القاسي ويتخلص من قسوته؟ ومتى يرحم غيره لكي يعامله الله بالرحمة؟ متى يعرف أن الفترة التي يمارس فيها القسوة على الأرض هى فترة محدودة إذا ما قيست بالأبدية غير المحدودة. وفي تبدُّل يشعر بالآم غيره.
?? حسن أن يعيش الإنسان سعيداً ولكن إن أسعد غيره، فأنه يشعر بسعادة أكثر. فإن كانت في يده سلطة أو ثروة، ليته يستطيع أن يسعد بها الآخرين، فيدعون له أن يبقيه الله وينميه، ويطرح الخير كل الخير فيه..
?? وإن كانت القسوة سببها السلطة أو محبة السيطرة فإن السلطة لا تدوم، إنما هى اختبار للإنسان كيف يستخدمها؟ هل لإستعباد غيره، أو لاثبات عظمته هو وقدرته على اخضاع الغير؟! حقاً إن في القسوة لوناً من الكبرياء يجب أن يتخلص منه القلب النبيل الحريص على أبديته. كذلك فإن القلب الحساس الذي يشعر بآلام الغير ويشفق عليهم، لا يمكن أن يكون قاسياً في يوم ما، ضد أي أحد.

شيطان التخدير وشيطان التأجيل

حينما يكون الانسان متيقظاً ومتنبهاً لنقاوة قلبه، صاحياً عقلاً وروحاً، فإنه من الصعب أن يسقط... ولذلك قال أحد الحكماء: "إن الخطيئة تسبقها إما الشهوة أو الغفلة أو النسيان" فحالة الغفلة والنسيان هى تخدير من الشيطان للإنسان... فينساق الى الخطيئة وكأنه ليس فى وعيه!! ولذلك فى حالة التوبة يقال عنه إنه رجع إلى نفسه. أى أنه لم يكن فى وعيه، أو على الأقل لم يكن فى كامل وعيه طوال فترة سقوطه.
** إن الشيطان يخدّر الإنسان، بحيث ينسى كل شئ، ماعدا محبته للخطية. فتكون كل حواسه وأفكاره ومشاعره مركزة فى الخطية وحدها. أما ما عداها فلا يخطر له على بال، وكأنه قد نسيه تماماً تماماً... ينسى وصايا الله، وينسى مركزه الروحى والإجتماعى، وينسى عبادته واحتراسه، وينسى وعوده لله وتعهداته ونذوره، وينسى ما يمكن أن تسببه الخطيئة من نتائج وأضرار وعار، وينسى عقوبات الله وانذارته. ويكون كأنه مخدر تماماً، لا يعى شيئاً سوى شهوته...
** ولا يصحو لنفسه إلا بعد السقوط، حينما يكون كل شئ قد انتهى! وقد يفيق الشخص بعد الخطية مباشرة. وربما بعدها بمدة طويلة.. وهناك من يفيق من تخديره فيتوب، والبعض قد ييأس إن كان قد أفاق بعد فوات الفرصة!
** وانصحك يأخى إن خدّرك الشيطان، أن تفيق بسرعة. واحذر أن تستمر مخدراً بالخطيئة الى أن تصبح عادة، أو يصير من الصعب عليك أن تتخلص منها، أو تكون قد وصلت الى نتائج سيئة جداً... والنصيحة الثانية أن تستفيد درساً مما مرّ بك، فلا تتساهل مع الخطيئة، بل عليك أن تتوب توبة حقيقية وسريعة، وتغلق امامك كل الأبواب التى أوصلتك الى السقوط.
** على أن شيطان التخدير اذا وجد أن فريسته قد أفاق من تخديره، وعزم على التوبة، يسلّمه بدوره إلى شيطان التأجيل، الذى يقول له: ولماذا هذا الإسراع؟! وأمامك فرص كثيرة للتمتع بالحياة، ليس من الحكمة أن ترفضها فتندم عليها! والأمر فى يدك، يمكنك أن تتوب فى أى وقت، ولو قبل الموت. ولاشك أن الله الكلى الرحمة يقبل التوبة فى أى وقت كانت مهما تقدم بك العمر..! إذن لا داعى الى الإسراع. ربما التريث يعطينا فرصة لفحص الأمر أكثر، أو لاختيار اسهل السبل للتخلص مما نحن فيه...
** والشيطان يلجأ الى حيلة التأجيل، ليس فقط فى مواجهة نية التوبة عند الانسان، إنما فى كل عمل خير ينوى أن يعمله.
والمقصود بالتأجيل هو إضاعة الحماس للعمل، أو إضاعة الفرصة، أو ترك الموضوع فترة فربما يُنسى أو يحدث ما يغطى عليه، أو تأتى مشغولية كبيرة تستحوذ على كل الإهتمامات والوقت، أو يحدث حادث يتسبب فى التعطيل، أو يتعرض الانسان لخطية تفتر بها حرارته الروحية فلا ينفذ ما قد أجّله...
** لذلك لا تؤجل التوبة. فكثيرون من الذين أجلوّها، لم يتوبوا على الإطلاق، وزال تأثرهم الروحى وضاعت الفرصة منهم...
واعلم أن توالى تأجيل التوبة، قد يعنى رفض التوبة. وقد يعنى قساوة القلب، وإسكات الضمير المتحرك داخلك، وأيضاً الهروب من الله الذى يدعوك اليه.
** إن الفرصة حالياً فى يدك، والحماس فى قلبك. فلا تؤجل التوبة، ولا تؤجل الصلاة، ولا تؤجل أى عمل خير يتاح لك أن تقوم به من نحو غيرك. فهوذا سليمان الحكيم يقول "لا تمنع الخير عن أهله، حين يكون فى طاقة يدك أن تفعله" لا تقل لصاحبك "اذهب الآن وتعال غداً لأعطيك، وموجود عندك"... واعلم أن "خير البر عاجله" كما يقول المثل... والإسراع فى عمل البر فضيلة، والتباطؤ فيه قد يسبب الندم.
** كثير من الطلبة الذين أجّلوا مذاكرة دروسهم يوماً بعد يوم، تكاثرت عليهم، ووقعوا فى اليأس، وبكوا فى ساعة الامتحان... كذلك فإن المزارعين الذين أدركتهم الحسرة فى موسم الحصاد، كانوا قد أجّلوا إلقاء البذار فى وقت الغرس والزرع. وأيضاً الذين أجّلوا علاج مرض معين، قاسوا كثيراً حينما استفحل المرض وانتشر. وبعض الذين أجّلوا المصالحة مع الأصدقاء أو الأزواج، كان من نتائج ذلك أن تعقدت الأمور وصار الصلح مستحيلاً..
** قد يكون التأنى فى اتخاذ بعض القرارات حكمة، ولكنه فى أحيان أخرى يكون خطأً وأحياناً يكون خطراً، ويكون مجرد حيلة فى يد شيطان التأجيل ليفسد كل شئ... قال شاعر
قد يدرك المتاُنى بعض حاجته وقد يكون مع المستعجلِ الزللُ
فأجابهم شاعر آخر بقوله:
وكم أخذّ ببعض الناس بطؤهم وكان خيراً لهم لو أنهم عجلوا
** لذلك احترس من شيطان التأجيل، لئلاً يقودك شيئاً فشيئاً الى الإهمال، ومنه الى الضياع... فإن ناداك الضمير، اسرع الى الإستجابة. وإن حثك على عمل الخير، فلا تتوان ساعة ولا لحظة. وإن زحفت الى طبعك عادة خاطئة، فلا تتباطأ فى التخلص منها. وإن شاهدت شعلة تحرق، فلا تؤجل اطفاءها، لئلا تتحول الى حريق مدمر. وباستمرار احذر واحترس من شيطان التأجيل...

أحاد الصوم الكبير وأركان العباده

أركان العبادة كما ذكر فى الموعظة على الجبل فى إنجيل معلمنا متى :صدقة - صلاة - صوم :هذه الثلاثة هى الجهاد القانونى فى العبادة كما قال القديس بولس الرسول: "لا يكمل أحد إلا من جهة قانونه"...كما أن الطير يرتفع ويتسامى بجناحين هكذا الصلاة تتسامى بجناحى العطاء (الصدقة) والصوم.
الأحد الأول : من الصوم المقدس : أحد الملكوت "اطلبوا ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم" (مت 33:6).طالب الملكوت لا يهتم بأمور الجسد والعالم كقول السيد المسيح: "لا تهتموا بما تأكلون او بما تشربون ولا لإجسادكم بما تلبسون".. "تأملوا زنابق الحق كيف تنمو"..طالب الملكوت هو الإنسان الروحى الذى عدم إهتمامه بالجسد يجعله يحب الصدقة والعطاء "لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض... بل اكنزوا كنوزاً فى السماء"... الاهتمام ليس بإخوتنا وأولادنا فقط إنما يكون هناك اهتمام بإخوتى الأصاغر.. الفقراء والمحتاجين.
الأحد الثانى : التجربة على الجبل : تعظم المعيشة.? شهوة العين. ? شهوة الجسد. ?هؤلاء الثلاثة التى حارب بها الشيطان السيد المسيح هى أيضاً يحارب بها كل المسكون... ولكن كما أن المسيح انتصر هكذا نحن ننتصر لأنه "فيما هو تألم مجرباً يستطيع أن يعين المجربين".كلمة الله سيف ذو حدين... والصلاة والصوم مهمين فأحد القديسين يقول "الصلاة سلاح والصوم حصن" بمعونة ربنا نستطيع أن ننتصر..كان السيد المسيح فى البرية يصلى ويقرأ الكتاب المقدس وأنتصر وتركه الشيطان وجاءت ملائكة تخدمه.. فالذى ينتصر يستحق الوعود التى سجلت للغالبين من يغلب... الخاصة بالكنائس السبعة.
الأحد الثالث : الإبن الضال :فهو نموذج رجالى للتوبة وإذا أن الخطية تقضى على الإنسان وتمزقه.. فكم وكم كان فرح أبيه برجوع الإبن وهكذا فرح السماء وملائكة الله برجوع الخاطئ.. لذلك هذا القول "أذكروا لنا أحد دخل السماء بدون توبة"؟!التوبة هى أم الحياة. فهى تحنن قلب الله علينا عندما نقول لله "أخطأت فى السماء وقدامك ولست مستحقاً أن أدعى لك إبناً" وكل تسابيح الصوم الكبير يقال فيها بتكرار.
الأحد الرابع : السامرية :وهى نموذج نسائى للتوبة، كانت بعيدة تماماً عن المسيح ولكن كلام المسيح المأفف جعلها تتدرج فى معرفته.. فبدأت بقولها لها : أنت يهودى كيف تطلب منى ماء، ثم عندما تذوقت كلامه الحلو.. بدأت تحسن كلامها إرتفع بها المسيح فقالت له: أرى أنك نبى... وذهبت تقول لأهل السامرة: "إنسان قال لى كل ما فعلت" العله المسيا... وكان هذا تدرج معها إلى أن وصلت للمسيا المنتظر الذى هو الله المتجسد.فقوة كلام المسيح أعادتها من أقصى الشمال إلى أقصى اليمين كلامه الحلو الذى يدعمه إحتمال السيد المسيح لمراوغتها فى البداية كمحاولة هروب السمكة من الصياد ولكنه يصبر عليها إلى أن يصطادها... جعله يكسبها ويكسب كل السامرة لحساب الملكوت أيضاً...
الأحد الخامس: المخلع من ثمان وثلاثين عاماً :مشاعر الخطية تصيب الإنسان الخاطئ بالشلل.. هذا الإنسان ضجر منه أهله فتركوه عند بركة بيت حسدا.. هذا هو حال الخطاة.. تضحك له الأحوال بالرفاهية لفترة ويكون له اصدقاء ولكن تنتهى الأمور بمراره.. فينكره أصدقاؤه.. ويأتى المسيح فى الهزيع الرابع ولكن لا يفرض نفسه على الإنسان إنما يقول عنه الكتاب "أقترب إلى الرب فيقترب إليكم"... وبالمسيح نال الشفاء الذى بدون مقدمات أو مؤخرات ولا أدوية ولا نقاهة فيما بعد.. بل حمل سريره ولكن أوصاه "أن لا يعود يخطئ مرة أخرى لئلا يكون له أشر". وبهذه الكلمات تشدد... كلمة الله تشدد الإنسان المتمسك بها.
الأحد السادس : التناصير أو المولود أعمى :فهو أحد إستنارة، الإنجيل، كلام السيد المسيح يحتاج إلى طاعة وبذلك نحصل على الاستنارة، المولود أعمى قبل الطين على عينيه بإيمان وذهب يغتسل فى بركة سلوام بكل طاعة فنال استنارة خارجية وداخلية... رغم أن إيمانه حديث لكنه وقف بشجاعة الأسد يدافع عن الإيمان الجديد رغم أن اليهود حرموه من حقوقه لكنه تمسك بالإيمان كتمسك القديس بوليكاريوس بإيمانه الذى عاشه تسعون سنة مع المسيح ولم يتزعزع عنه عندما أرادوا الأشرار أن يحرقوه. كل واحد يجب أن يقبل المسيح ملكاً خاصاً على حياته ويطرد من قلبه كل محبة دينيوية ويعطى قلبه بالكامل لربنا بحسب قوله: "يا إبنى إعطنى قلبك"... حياة المكرس والراهب يجب أن تكون بالكامل على مذبحه مثل ذبيحة المحرقة التى تحق بكاملها على المذبح على خلاف بقية الذبائح التى يقدم منها جزء.. "معك لا أريد شيئاً" المسيح يشبع الإنسان. المتكل عليه يحتاج اختبارات ومعايشه يوميه لنقوم مع المسيح "إن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس" اهتموا بما فوق لا بما على الأرض..
التوبة هى القيامة "مبارك ومقدس من له نصيب فى القيامة الأولى (التوبة) هؤلاء ليس للموت الثانى سلطان عليهم".يهتم الكثيرون بالحديث عن القيامة العامة ومجئ السيد المسيح... يجب أن يكون إهتمامنا بالقيامة الأولى والتى تعنى حياة التوبة.
الخماسين : فهى المرحلة الروحية العالية التى وصلنا إليها بعد فترة الصوم الكبير.. يجب أن نثبت فى هذا النور والروحيات ثم نصل إلى الصعود ثم الخدمة مع الرسل.

تدريبات في الصوم

لكي يكون هذا الصوم المقدس ذا أثر فعال فى حياتك الروحية، نضع أمامك بعض التداريب لممارستها، حتى إذا ما حولتها إلى حياة، تكون قد انتفعت فى صومك:
1- تدريب لترك خطية معينة من الخطايا التى تسيطر عليك، والتى تتكرر فى كثير من اعترافاتك. أو التركيز على نقطة الضعف أو الخطية المحبوبة.. وكل إنسان يعرف تماماً ما هى الخطية التى يضعف أمامها، ويتكرر سقوطه فيها، وتتكرر فى غالبية اعترافاته. فليتخذ هذه الخطايا مجالاً للتدرب على تركها أثناء الصوم. وهكذا يكون صوماً مقدساً حقاً.
وقد يتدرب الصائم على ترك عادة ما : مثل مدمن التدخين الذى يتدرب فى الصوم على ترك التدخين، أو المدمن مشروباً معيناً، أصبح عادة مسيطرة لا يستطيع تركها، كمن يدمن شرب الشاى والقهوة مثلاً.
أو الذى يصبح التفرج على التليفزيون عادة عنده تضيع وقته وتؤثر على قيامه بمسئولياته. كل ذلك وأمثاله تكون فترة الصوم تدريباً على تركه.
اسكب نفسك أمام الله، وقل له: نجنى يارب من هذه الخطية. أنا معترف بأننى ضعيف فى هذه النقطة بالذات، ولن أنتصر عليها بدون معونة منك أنت، لتكن فترة الصوم هذه هى صراع لك مع الله، لتنال منه قوة تنتصر بها على خطاياك.
درب نفسك خلال الصوم على هذا الصراع.
فمثلاً يذكر نفسه كلما وقع فى خطية النرفزة بقول الكتاب : "لأن غضب الإنسان لا يصنع بر الله" (يع 2:1).
ويكرر هذه الآية بكثرة كل يوم، وبخاصة فى المواقف التى يحاربه الغضب فيها. ويبكت نفسه قائلاً: ماذا أستفيد من صومى، إن كنت فيه أغضب ولا أصنع بر الله؟!
-2 لتدريب على حفظ بعض المزامير من صلوات الأجبية، ويمكن إختيار مزمور أو إثنين من كل صلاة من الصلوات السبع، وبخاصة من المزامير التى تترك فى نفسك أثراً.
3- التدريب على حفظ أناجيل الساعات، وقطعها، وتحاليلها. علماً بأنه لكل صلاة 3 أو 6 قطع.
4- التدريب على الصلاة السرية بكل ما تحفظه، سواء الصلاة أثناء العمل، أو فى الطريق، أو اثناء الوجود مع الناس، أو فى أى وقت.
5- اتخاذ هذه الصلوات والمزامير والأناجيل مجالاً للتأمل حتى يمكنك أن تصليها بفهم وعمق.
6- تداريب القراءات الروحية: سواء قراءة الكتاب المقدس بطريقة منتظمة، بكميات أوفر، وبفهم وتأمل.. أو قراءة سير القديسين، أو بعض الكتب الروحية، بحيث تخرج من الصوم بحصيلة نافعة من القراءة العميقة.
7- يمكن فى فترة الصوم الكبير، أن تدرب نفسك على استلام الألحان الخاصة بالصوم أو بأسبوع الآلام، مع حفظها، وتكرارها، والتشبع بروحها...
8- يمكن أن تدرب نفسك على درجة معينة من الصوم، على أن يكون ذلك تحت إشراف أبيك الروحى.
9- هناك تدريبات روحية كثيرة فى مجالات المعاملات... مثل اللطف، وطول الأناة، واحتمال ضعفات الآخرين، وعدم الغضب، واستخدام كلمات المديح والتشجيع، وخدمة الآخرين ومساعدتهم، والطيبة والوداعة فى معاملة الناس.
10- تدريبات أخرى فى (نقاوة القلب):
مثل التواضع، والسلام الداخلى، ومحبة الله، والرضى وعدم التذمر، والهدوء وعدم القلق، والفرح الداخلى بالروح، والإيمان، والرجاء.

أباركك وتكون بركة


ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم وهو في ما بين النهرين قبلما سكن في حاران وقال له اخرج من أرضك ومن عشيرتك وهلم إلى الأرض التي أُريك(أع 7: 2،3 )
· إن كانت دعوة الله قد فصلت إبراهيم عن هذا العالم الحاضر، فذلك للإتيان به إلى عالم آخر، كما قال الله "إلى الأرض التي أُريك". فإذا كان إله المجد قد ظهر لإبراهيم فذلك لكي يُحضر إبراهيم إلى مجد الله والي التمتع بمحضر الله. ونلاحظ أن الخطاب العجيب الذي تكلم به استفانوس بدأ بإله المجد ظاهراً لإنسان على الأرض، وانتهى بمشهد إنسان ظاهر في مجد الله في السماء. وفي ختام خطابه يتطلع استفانوس بثبات إلى السماء ويرى مجد الله ويسوع قائماً عن يمين الله، ويقول "ها أنا أنظر السماوات مفتوحة وابن الإنسان قائماً عن يمين الله". ونحن إذ نتطلع إلى المسيح في المجد نرى القصد العجيب الذي قصده الله في قلبه عندما دعانا من هذا العالم الحاضر، إنه دعانا إلى مجده لنكون مثل المسيح ومعه في مشهد يتكلم كله عن الله ومحبة قلبه غير المحدودة.لقد صلي يسوع من أجلي ومن أجلك قائلا " ايها الآب اريد ان هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي أعطيتني " هذه خطة الآب منذ الأزل أن نكون معه في المجد ، لأجل هذا دعا كل واحد فينا دعوة شخصية مثل دعوته لإبراهيم .
*وهناك بركة عظيمة حاضرة لمَنْ يتجاوب مع الدعوة، فإذ انفصل إبراهيم عن هذا العالم الحاضر الشرير، قال له الله: "أجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظِّم اسمك" (
تك 12: 2 ). يحاول أهل العالم أن يصنعوا لأنفسهم اسماً كما قالوا قديماً "ونصنع لأنفسنا اسماً"، لكن الله يقول للرجل المنفصل "أباركك وأُعظِّم اسمك". إن الله يستطيع أن يُعظم اسم المؤمن أكثر جداً مما نحاول أن نعمله لأنفسنا في هذا العالم الحاضر الشرير. ألا نرى في كلمة الله، كما نشاهد في اختباراتنا، أن الأشخاص العظماء روحياً بين شعب الله، هم الأشخاص المنفصلون، الذي استجابوا لدعوة الله لهم بالانفصال، كما نرى أن أي تحول عن طريق الانفصال إنما يؤدي إلى فقدان التأثير، بل إلى ضياع كل عظمة روحية حقيقية بين شعب الله؟
*ويا لها من دعوة نافعة!! يقول الله لإبراهيم "وتكون بركة". ففي طريق الانفصال لا يكون إبراهيم مُباركاً فحسب، بل يكون أيضاً بركة للآخرين. إننا نفعل حسناً لو لاحظنا أهمية هذه الكلمات. نحن لا نقرأ أن الرب قال لإبراهيم "إذا بقيت في أور الكلدانيين أو في منتصف الطريق في حاران، تكون بركة" بل عندما أطاع دعوة الله قال له: "وتكون بركة"، سأكون مؤثرا فقط عندما احقق دعوة الرب في حياتي عندما انفصل له وحده ولا يكون للعالم تأثير عليّ فلا يليق بي كمؤمن مستخدم من قبل الرب أن أعرج بين الفرقتين فالعالم قد صلب لي عندما اتخذت يسوع المسيح مخلص شخصي لي .
 

Hit Counter
Dating Site