الاثنين، 17 نوفمبر 2008

أي الاثنين؟ أم كلاهما؟


بقلم/البابا شنودة الثالث
في كثير الأمور نقف في حيرة‏..‏ ونسأل هل السبب فيما يحدث يرجع إلي هذا الأمر أم ذاك؟ إلي أي الإثنين؟ أم تراه يرجع إلي كليهما معا إذا اجتمعا؟ ولنضرب أمثلة‏:‏ المرأة التي تخفي بعض محاسنها‏,‏ خوفا علي الرجال من الوقوع في الفتنة‏:‏ هل هذا الاخفاء راجع إلي اغراء في جمال المرأة؟ أم إلي نقص مناعة الرجل؟ اقصد إلي شهوة الرجل الذي لايستطيع أن يصمد أمام جمال المرأة‏!‏ فيقول لها مع الشاعر‏:‏ صوني جمالك عنا إننا بشر من التراب وهذا الحسن روحاني (‏ولو أنني اختلف مع هذا الشاعر فالشخص الترابي لايخشي عليه من الحسن الروحاني‏,‏ بل من الحسن الجسداني‏).‏ والرجل الطاهر النقي القوي في روحياته‏,‏ لايتعب جسديا من جمال المرأة‏,‏ بل ينظر اليها في طهر وكأنها ابنته أو أخته أو أمه‏..‏ فما السبب إذن في اخفاء بعض جمال المرأة؟ أهو الاغراء من جانبها؟ أم هي الشهوة من جهة بعض الرجال الضعفاء في روحياتهم؟ أم تري السبب يرجع إلي الأمرين معا؟ اغراء المرأة وشهوة الرجل‏!!‏ وفي مجال الاغراء والشهوة‏,‏ نضرب مثلا آخر حول المال‏:‏ هل الرجل الذي يقبل الرشوة ليعطي للآخرين حقا ليس لهم‏:‏ هل السبب في سقطته هو اغراء المال؟ أم السبب هو فساد نفسيته التي تحب المال ولو حراما؟ وتبيح الاستحقاقات ظلما بانحراف في شئون الإدارة؟ أم السبب يشمل الأمرين معا‏:‏ الاغراء من مقدم الرشوة‏,‏ والفساد من جهة قابلها‏.‏ في موضوع المال‏,‏ نعرض مثالا آخر‏:‏ ذلك الغني البخيل‏,‏ الذي مهمته جمع المال وتكديسه‏,‏ وعدم اعطاء احد مهما كان محتاجا‏!‏ هل لو بعض المحتاجين سرقوه‏,‏ ما داموا لم يستطيعوا أن ينالوا المال منه بالحسني‏!‏ هل جريمة السرقة هذه تقع تبعتها علي البخيل المسروق‏,‏ أم تقع علي المحتاجين السارقين؟ لاشك أن الكل مدانون‏:‏ الذي سرق لانه قد ارتكب جريمة مهما كانت اسبابها والبخيل الغني لأنه لو كان يحسن علي غيره من ماله‏,‏ لأحبه الناس وما سرقوه‏.‏ ندخل في موضوع آخر هو‏(‏ قضايا الطلاق‏)‏ وهنا نسأل ما هو السبب الاساسي لمحاولة الطلاق بين اثنين بدأت حياتهما بالتفاهم والحب؟ هل السبب مثلا هو سوء معاملة احدهما للآخر؟ أم السبب هو عدم احتمال هذا الآخر لسوء المعاملة‏,‏ وبخاصة إذا كانت قد استمرت زمنا طويلا؟ أم ان الأمرين قد اجتمعا معا؟ أم هناك اسباب أخري؟ وهنا نتعرض لموضوع‏(‏ الغضب‏)‏ ومدي المسئولية بين من يثير ومن يثار لنفرض أن شخصا كتب مقالا مثيرا ضد شخص آخر خرج عن حدود اللياقة والاخلاق كان بامكان هذا الشخص ان يسكت ويتجاهله‏,‏ عملا بقول الشاعر‏:‏ إذا بليت بشخص لاخلاق له فكن كأنك لم تسمع ولم يقل أو كان بامكانه ان يرد ردا موضوعيا هادئا بغير انفعال ولكنه ان رد بعنف يثير الطرف الآخر‏,‏ وبه يصبح مثيرا بعد ان كان مثارا‏,‏ ويحتاج هو أيضا إلي رد‏!!‏ ويتبادل الاثنان الموقف‏..‏ وحينئذ نسأل من هو الملوم؟ هل الأول باعتبار الباديء أظلم؟ أم الثاني لأنه قابل العنف بعنف‏,‏ والخطيئة بمثلها؟ أم كلاهما مدانان؟ مثال آخر‏,‏ وهو‏:‏ من الأكثر مسئولية‏:‏ المحرض أم المنفذ؟ إنسان حرض علي ارتكاب جريمة ما‏,‏ وانفق عليها من ماله‏,‏ واغري من نفذها بسعة في الانفاق عليه إلي أن تم تنفيذ الجريمة‏..‏ فهل المسئولية الكبري تكون علي المحرض الذي هو المؤلف والمخرج لهذه الجريمة؟ أم أنها تكون علي المنفذ الذي لولاه ما تمت الجريمة؟ طبيعي ان الاثنين مدانان‏.‏ ولكن من منهما دينونته أكبر؟‏!‏ نتعرض للانحرافات الخلقية‏.‏ فنذكر أولا الملاهي وكل ما فيها من اغراءات تدفع إلي الخطأ وتقدم له أمثلة وانواعا‏.‏ وبعض المجلات التي تسهم في هذا المجال وتعرض صورا وقصصا‏.‏ وسائر الأفلام الخاطئة وبعض وسائل الاعلام وما تحويه الانترنت‏..‏ ثم يسقط بعض الشباب في خطايا دفعتهم اليها ومهدت لها كل تلك الوسائل السابقة‏..‏ وهنا نسأل ما حدود المسئولية في كل ذلك؟ هل نلوم السقوط وحده؟ أم نلوم أيضا مسبباته؟ أي الاثنين يوجه اليه اللوم الأكبر؟ الذي يشمل نارا‏,‏ أم الذي يحترق بها‏.‏ بلاشك نلوم المخطئين‏,‏ وكذلك من اعدوا لهم هذه البيئة والمجال وكل تلك الاسباب والمعثرات‏.‏ هذا الأمر يجعلنا نذكر ماتشكو منه بعض الامهات من متاعب تصدر من أبنائهن‏.‏ هؤلاء الأبناء كانوا عجينة لينة في أيديهن في وقت الطفولة ويمكن تشكيلها حسبما يردن‏,‏ بالإضافة إلي الحب الشديد الذي يربط الطفل بأمه‏..‏ فيكف وصل بهم الأمر إلي حد الازعاج الذي تشكو منه الأمهات؟ هل السبب هو اهمالهم حينما كبروا وعدم متابعتهم؟ أم هناك اسباب أخري تدخل فيها السن والبيئة من جهة المدارس والاصدقاء والجو العام؟ أم كل ذلك معا؟ ننتقل إلي موضوع الحرية التي تتمتع بها بعض الشعوب هل هي منحة تعطي لهم من حكامهم ويمكن أن تسحب منهم؟ أم هي دليل علي نضوج هذا الشعب‏,‏ فأصبح مؤهلا لهذه الحرية ويستحقها ولايمكن ان يحكم بدونها؟ يبدو أن هذا الرأي الأخير صحيح لانه كما قال احد كبار رجال السياسة الفرنسيين إن الحرية والديمقراطية تنالها الشعوب بحسب نضوجها‏.‏ موضوع آخر هو الخطيئة ما بين اغواء الشيطان وارادة الإنسان‏.‏ هل الشيطان مسئول مسئولية كاملة عما يقع فيه كل إنسان من خطايا واخطاء؟ أم الشيطان مهمته هي فقط ان يقترح‏,‏ والإنسان حر في أن يقبل أو لايقبل ما يقترحه عليه الشيطان؟‏!‏ فإن حدث وسقط الإنسان‏,‏ فالمسئولية تكون علي الاثنين‏:‏ الذي اغوي‏,‏ والذي قبل الاغواء‏.‏ أخيرا اريد أن اتكلم عن الموت وخوف الناس منه هل سبب هذا الخوف هو جهلهم طبيعة الموت وكيفية مفارقة الروح الجسد والناس يخافون مما يجهلون أم السبب هو الخوف من المصير بعد الموت لمن هو غير مستعد له بالتوبة؟ أم السبب هو مفارقة الاحباء والاصدقاء والحياة ذاتها أم كل هذه الاسباب مجتمعة معا؟
نقلاً عن الأهرام

ليست هناك تعليقات:

 

Hit Counter
Dating Site