الخميس، 21 أغسطس 2008

رقاد سيّدتنا والدة الإله


يمكننا أن نوجز معنى تذكار "رقاد سيّدتنا والدة الإله" في الترتيلتين الأساسيّتين للعيد (الطروباريّة والقنداق)، إذ تتّفقان على التأكيد بأنّ مريم، أم الربّ يسوع، قد "انتقلت إلى الحياة" بما أنّها "أمّ الحياة"، ولذلك "لم يضبطها قبرٌ ولا موتٌ". من هنا، تؤمن الكنيسة الأرثوذكسيّة بأنّ مريم قد توفّيت ودُفنت، ثـمّ أقـامـها ابنـها وأصعدها إلى السماء. فمريم عبرت بالموت وصولاً إلى الحياة، لأنّ "أم الحياة" لا يمكن أن تـبقى في الفساد. مـن هنا القول بإنّها حصلت على الحياة الأبديّة من دون أن تمثل للدينونة، فانطبقت عليها الآية الإنجيليّة القائلة: "الحقّ الحقّ أقول لكم إنّ مَن يسمع كلامي ويؤمن بمَن أرسلني له الحياة الأبديّة ولا يصير إلى دينونة، لكنّه قد انتقل من الموت إلى الحياة" (يوحنّا 5، 24). ما تريد أن تقوله النصوص العباديّة المختصّة بهذا العيد هو أنّ الربّ يسوع الذي اتّخذ جسدًا من مريم، وصار لها ابنًا حقًّا، أكمل نعمته عليها، فصانها من فساد القبر ونقلها إلى الملكوت السماويّ. هذا الاعتقاد لا يستند إلى نصوص كتابيّة مباشرة، ذلك أنّ رسالة الأناجيل الوحيدة تنحصر في التبشير بالربّ يسوع، لا بسواه، وبتعاليمه، وبالأحداث الخلاصيّة التي أتمّها، ولا سيّما الحدث الأساس، الصليب والقيامة من بين الأموات. لذلك ورد ذكر مريم أمّه في الأحداث التي كان لها دور في إتمامها، كالبشارة، والميلاد، وعرس قانا الجليل، ووقوفها عند قدمَي ابنها المصلوب... غير أنّ هذا الاعتقاد يجد له جذورًا أصيلة في التراث الآبائيّ واللاهوتيّ في الشرق والغرب معًا. فابن الله صار ابن مريم، وكما أقام الله جسد ابنه، ولم يدَع الموت "يمسكه"، ولم يتركه "يرى الفساد" (أعمال الرسل 2، 24 و27)، كذلك أقام الابن جسد أمّه، ذلك الهيكل الذي قدّسه الروح القدس، وسكن فيه ابن الله تسعة أشهر، وقد اتّخذ منه دمه ولحمه، ولم يتركه يرى الفساد والانحلال كسائر أجساد البشر. لقد أورد القدّيس يوحنّا الدمشقيّ (+750)، في عظته الثانية عن رقاد السيّدة، تقليدًا مستمَدًّا من كتاب "التاريخ الأوثيميّ" المنحول (المنسوب لغير كاتبه). ومفاد هذه الرواية، التي نجد آثارها في النصوص العباديّة والأيقونة المختصّة بالعيد، أنّ الرسل انخطفوا بلحظة، ساعة رقاد مريم، وأتوا من كلّ الجهات إلى حيث مقام السيّدة. ولمّا بلغوا إليها ظهر المسيح ابنها، فأودعت روحها بين يديه. أمّا جسدها فشيّعه الرسل ومَن معهم بكلّ إجلال وإكرام، ودفنوه في الجسمانيّة. ولمّا انقضى اليوم الثالث فتح الرسل الحاضرون قبرها فلم يجدوا جسدها. فاستنتجوا من الحادث أنّ ابن الله الذي تنازل وأخذ جسدًا من أحشائها، وحفظ بتوليّتها سالمةً بعد ولادته منها، شاء أيضًا أن يقي جسدها من فساد الموت، وينقله إلى الحياة الأبديّة قبل القيامة العامّة. يقول الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية: "إذا كان روح الذي أقام يسوع من بين الأموات ساكنًا فيكم، فالذي أقام يسوع من بين الأموات يحيي أيضًا أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم" (8،11). فالروح القدس الذي حلّ على مريم يوم بشارة الملاك لها (لوقا 1، 35) لتصير أمّ الربّ يسوع، هو نفسه يكمّل عمله فيها ويحيي جسدها المائت وينقله إلى الخدر السماويّ. وهذا يدعمه أيضًا جواب مريم لأليصابات: "ها منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال. لأنّ القدير صنع بي عظائم، واسمه قدّوس، ورحمته إلى جيل وجيل للّذين يتّقونه" (لوقا 1، 48-50). وبما أنّ الله هو إله الحياة التي لا نهاية لها، تؤمن الكنيسة أنّ ما صنعه الله من عظائم لا يتوقّف عند حدود هذه الحياة الدنيا، بل يمتدّ، بلا شكّ، إلى ما يتجاوزها، إلى الحياة الأبديّة. تبقى الإشارة إلى أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة، منذ العام 1950، جعلت من "انتقال مريم العذراء" عقيدة إيمانيّة. غير أنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة، انسجامًا مع تعاليم الآباء والتراث الكنسيّ، رفضت أن تفرض على ضمير المؤمنين هذا الأمر كعقيدة إيمانيّة، ذلك أنّها، على حدّ قول أحد اللاهوتيّين، "تفتقر إلى إثبات، ولم يرد في الإعلان الإلهيّ أو الكتاب المقدّس أيّ إشارة تؤكّدها". وخير مَن عبّر عن رأي الكنيسة الأرثوذكسيّة في هذا الصدد أحد اللاهوتيّين الأرثوذكس المعاصرين حين قال: "مريم هي أوّل كائن بشريّ يتّحد بطريقة صميميّة وحقيقيّة بالمسيح. لقد لبست حقًّا المسيح. لهذا السبب لم يبقَ جسدها في فساد الموت، بل رفعه المسيح إلى السماء عربونًا لصعود جميع القدّيسين بأجسادهم إلى السماء". بيد أنّ التعليم الأساس الذي يسعنا استخراجه من معاني هذا العيد هو أنّ كلّ مؤمن يستطيع أن يقرأ في مسيرة حياة مريم العذراء مسيرة إيمانه، وفي مصير مريم بعد الموت مصيره. إنّ كلّ مؤمن يقتدي بمريم من حيث طاعتها لإنجيل الربّ، وخضوعها التامّ لكلمته، وممارستها لمشيئته، وجوابها للملاك "ها أنا أمةٌ للرب، فليكن لي بحسب قولك" (لوقا 1، 38)، سيكـون مصيـره كمصير مـريـم بـعـد رقـادها. ولأنّ مريم "سمعت كلمة الله وحفظتها"، أي عملـت وبشـرت بها، واستسلمت بكلّيّتها لعمل الروح القدس، آمنت الكنيسة أنّها حازت حالاً بعد موتها على قيامة الجسد التي هي خاتمة مصير كلّ المؤمنين "في الدهر الآتي". عن نشرة رعيتي - المطران جاورجيوس خضر

ليست هناك تعليقات:

 

Hit Counter
Dating Site