الثلاثاء، 30 سبتمبر 2008

تأملات في آلام المسيح

حياة السيد المسيح هي سلسلة من الآلام والأوجاع والأحزان. لم يره أحد ضاحكاً علي الإطلاق، حقاً قال بفم داود النبي عن نفسه حياتي فنيت بالحزن وسنيني بالتنهد.. ولقد كان يسوع عالماً بكل ما يأتي عليه لذلك قال عنه النبي »وجعي مقابلي دائماً«. عجباً فالذي يشهد عنه الوحي الإلهي قائلاً: أنت أبرع جملاً من بني البشر، نراه وقد تلطخ وجهه بالدماء فقد انقض الجلادون علي جسده الواهي بالعصي والمجالد بلا رحمة ولا هوادة فتزعزعت عظامه وجعاً وتمزق جسده جرحاً.. وتطاير لحمه فلذا حقاً تنبأ داود النبي قائلاً: اكتنفتني حبال الموت، أصابتني شدائد الهاوية كابدت ضيقاً وحزناً.. الذي حلقه الهاوية حلاوة وكله مشتهيات قيل عنه إنه مجنون ومجدف ومثير قلق ووقف بين أعدائه كحمل بين ذئاب وكحمامة بين الجوارح.مسيحنا القدوس لقد سببت لك أنا كل هذه الآلام الباهظة.. العار الذي وضع عليك هو عاري أنا، ولا أدري ماذا أفعل بك ياربي بعدما أنقذتني من الهلاك؟ هل يكفي أن أكرس لك ذاتي حتي يوم لقاك؟.. ربي دمك عني سفكته والمر لأجلي شربته والموت أيضاً قبلته حتي خوفي أبدلته ما أعجبك رب فعذا باتنا قاسيت ونفوسنا الدنسة اشتريت وحتي الموت ارتضيت انني اتساءل كيف؟ كيف من أجل الخطاة ياربنا القدوس تتحمل خطايانا ولعنة الناموس، كيف من أجلي سال قلبك الرقيق بالدمع وأحزنتك خطاياي وذبت كالشمع. من أنا.. أنا الخاطئ الشقي فكيف من أجل عانيت والمر علي سقيت.أيها الخطاة ما هو الشر الذي أصابكم منه حتي تعذبوه هكذا بلا حنو ولا شفقة؟ أي ضرر أم آية إهانة أم أي ظلم رأيتم من ذلك الجسم البتولي حتي فتحتم فيه عدة جروح دون أن ترثوا له وتعطفوا عليه؟ آه أيها الخطاة، أشفقوا علي من شفق عليكم وامنحوه راحة في أوجاعه وآلامه فهو الذي يرثي لكم في ضيقاتكم، تكفيه هذه الجراح العديدة، قد صار جرح علي جرح ماذا ترومون أكثر من ذلك.إن نقطة دم واحدة سالت من جراحاتك التي نشأت عن ضربات السياط لهي غير متناهية قيمة وثمناً، حقاً لقد أفرطت في محبتك لنا، وأحببتنا حباً لا حد له، كيف ترحم الغير ولا ترحم نفسك؟ هوذا اليهود يتعجبون من تصرفك هذا ويقولون »خلص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها«، لقد أنقذت إسحق من الذبح، وخلصت الفتية من آتون النار، وانتشلت دانيال من جب الأسود فلماذا تترك نفسك العزيزة تتألم ونقسو عليها هكذا، أنت نبع الرحمة علي الغير فلماذا لم ترحم نفسك يا فادي نفوسنا ومخلصنا يسوع المسيح؟انظري يانفسي وتعلمي، انظري عواط مخلصك الذي سبق فبشر الجماهير وشفي المرضي وفتح أعين العميان وأقام الموتي، وعلم تلاميذه أقصي درجات الحب حتي أنه جلسه أمامهم في العلية ليغسل أرجلهم ثم بعد ذلك أعطاهم ذاته طعاماً لهم. انظري يانفسي كيف ينصرف إلي الصلاة في استسلام لمشيئة الأب، ليتنا نتعلم منه الخضوع والتسليم المطلق لتتميم مشيئة اله.. ليتنا نتعلم منه أن نسبق كل أعمالنا بالصلاة.. لم يكن مخلصك بحاجة للصلاة، ولكنه صلي اللأب لكي يعلمك ضرورة الصلاة وكيفية الاختلاء بالله فالصلاة هي سلاح المؤمن المحارب.تعال بنا إذا لندخل البستان ونتأمل في ذلك المنظر فإننا لا نجده مفرحاً بل محزناً هناك تقع عيوننا علي مشهد بجرح القلب ويذهيب الفؤاد، هناك نبصر اسيد المسيح »آدم الجديد« في البستان يعمل لا لكي يتنعم، كما كان »آدم الأول« في جنة عدن، بل يجاهد ليقدم الخلاص للبشر، فما أعظم الفرق بين هذين البستانين، فالأول توفرت فيه كل أباب الراحة والسرور، والثاني أفعم بعلامات الحزن والكآبة بستان خصب وبستان مجدب، بستان يستريح فيه المخلوق وبستان يتعب فيه الخالق، بستان ابتدأ فيه شفاء الإنسانية وبستان خرجت منه ينابيع السعادة لبني آدم، بستان فيه سقطنا وبستان فيه قمنا، بستان فيه دين آدم، وبستان فيه وفي يسوع عنه دينه.قال اقديس أوغسطينوس: يا لحكم الله غير المدرك، يخطئ الأثيم ويعاقب الكريم، يجرم الطالح ويجلد الصالح، وما يرتكبه المنافق يحتمله الصديق، وما يستقرضه العبد يدفعه الرب، وما يلقيه المخلوق يلقاه الخالق.ها هو مخلصك يصلي، لقد طلب من تلاميذه أن يقاسموه الصلاة والأحزان حتي لا يكون وحيداً، ولكنه وجدهم نياماً، عجباً كيف يتركك الجميع ياربي في هذا الآسي العميق! كيف تخلو عنك واحتملت الترك بلا رقيق، ليتك يانفسي لا تشغلي عن عريسك المسيح بأي عمل آخر حقاً ما أشد ضيق من يطلب التعزية من البشر لأنه لن يجد لديهم مراراً إلا زيادة المرارة.ربي كل ما تكابده من ضيقات كنت أنا المستحق لها، ولكنك حملتها علي وها أنت تقف أمام أبيك القدوس تلتمس رحمته حتي تسكن غضب عدله، ها أنت تجاهد حتي صار عرقك كقطرات دم نازلة علي الأرض، لقد أكل آدم خبزه بعرق جبينه »تكوين 3: 19« ولكن هذا العرق الممزوج بالخطية لم يقدر أن يشفيه، فأتي الذي بلا خطية وعرق دفعة واحدة فنجاه من خطيته، فيا نفسي ويا كل النفوس الخاطئة التي تنزل برب المجد مثل هذا العذاب ليتكم تتخذوا من عرق الرب دواء شافياً لأمراض خطاياكم فالعرق دليل الصحة وقرب الشفاء، ليتكم تتخذوا من دمه خلاصاً وحياة ولا ندعوه يذهب ويضيع هباء.ربي لقد تخلي عنك تلاميذك في البستان ولم يشاركوك آلامك ولم يسهروا معك ليعزوك، ها أنا أسمعك تهمس مع داود النبي القائل: »العار كسر قلبي فصرخت، انتظرت رقه فلم تكن ومعزين فلم أجد«، وأنتم يا محبي اسم المسيح تعالوا معي نصغي لما يشعر به مخلصكم اسمعوه وهو يقول مع ارميا النبي ياجميع عابري الطريق تطلعوا وأنظروا أن كان حزناً مثل حزني« وأنت يا نفسي هل ستتخلين عنه مثل تلاميذه أم ستشاركيه الآلام، انهضي يانفسي إليه ساعديه وجاهدي معه، لن تصيري يانفسي مثل هابيل إن لم تتعبي وتبذلي ذاتك ويصيبك شر قايين، لن تدخلي أرض كنعان إن لم تعبري في برية الحياة لن تدخلي إلي المجدالزبدي إن لم تتألمي مع المسيح.لقد حزن يسوع لكي يحمل عنك أحزانك بحزنه حصلت علي الفرح، تجرع كأس الغضب حتي الثمالة ليمنحك كأس الخلاص فبموته نلت الحياة.. من جراحه المقدسة تستقين يانفسي المغفرة والحياة فدمه يغسل ويطهر كل الأدناس. إلي جراحه المقدسة تأتي فترتوي ويضطرم فيك الحب فتحتمين وتستقرين علي الدوام، تعالي إلي حبيبك رغم أحزانه، تعالي ولا تخافي لن يطردك لأنه رغم ضيقاته لم ينساك بل يفكر فيك وطلب منك الصلاة حتي لا تهلكي، انظري انه يفتح لك قلبه.. تأملي كيف يغسل أدناسك بجراحاته، انظري كيف استعدت بدماه جمالك، وكيف تفرح بك قوات السماء، افرحي لأن قلب مخلصك يستريح تجاهك
بقلم: القمص مرقس عزيز خليل

ليست هناك تعليقات:

 

Hit Counter
Dating Site